هكذا تكلم الشافعي

يتعجب المتدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى حينما يجده نَصَّ في أزيد من أحد عشر موضعا على عربية القرآن ، مع أن هذه الحقيقة لم تكن موضع إشكال أو نقاش ؛فلم يكن يشك في عربية النبي صلى الله عليه وفصاحته وبلاغته أحد من قومه ، ولم يطعن أحد من قريش أو من العرب عامة في حقيقة تفوقه في الفصاحة والبلاغة ، وتفوق الكتاب الذي بين يديه على كل ما لدى العرب من إنتاج بياني ؛ بل حينما تحدى الله عز وجل العرب على أن يأتوا بمثله ثم بعشر سور ثم بسورة ثم بآية مِن مثله ، لم يجرؤ فيهم بليغٌ ولا عَيِيٌ على محاولة الدخول في هذا التحدي لأن الخسارة كانت نتيجةً مُسَلَّماً بها لدى الجميع.
إذاً فالنَّصُ على عربية القرآن في مواضع عديدة لم يكن إخباراً مجرداً عن اللغة التي ينطق بها هذا الكتاب ؛ لأنها معلومة ظاهرة ولا حاجة بالمستمع والقارئ إليها ، وكتاب الله عز وجل منزه عن الفضول وعمَّا لا فائدة منه ؛ بل المراد منها :التأكيد على منهج الاستنباط والفهم من القرآن الكريم ، وأنه يُفْهَم على وفق قواعد الفهم العربي ، لأنه ليس ككتب البشر التي تُوضع لجمع نوع من الفوائد في العلوم أوالتواريخ أو المسامرات ؛ بل هو منهج حياة سوف يسير مع البشرية جمعاء طيلة وجودها على هذه الأرض ؛ ومع تكاثر لغاتها وتطورها وتبدلها ، اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون للكتاب الذي هو دستور البشر حتى قيام الساعة منهجٌ للفهم والاستنباط ،لا يتبدل بتبدل اللغات وتغاير الأفهام على مر العصور ؛ لأن عدم وجود منهج مستقر لفهم هذا الكتاب يُخل بدستوريته الأبدية لكامل البشرية ، إذ يجعله محلاً لأفهام متباينة ؛بل ومتعارضة ومتناقضة تحول دون تحقيق مقصد الأمة الواحدة التي نص القرآن على غائيتها في الرسالة والتشريع ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٩٢] ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ [المؤمنون: ٥٢] لأن هذا المقصد لن يتحقق حين يكون فهم الدستور الواحد متباينا ، لاسيما وهو ليس كدساتير الأرض التي تتوحد عليها شعوب الدول في أحكامها الحياتية ؛ بل يشمل الحياة الدنيا ومبدأها ومعاشها ومعادها وغايتها ،والآخرة وطريقها وثوابها وعقابها ، والكون وخالقه وصفاته وحقوقه على العباد وحق العباد عليه ، وشريعته في الأرض وتفاصيل مراده من عباده:ما أوجبه وما استحبه وما كرهه وما حرمه وما أباحه ، وما جعله من ذلك محل فسحة للااختلاف فيه وما كان مقطوعا لا تصح مخالفته .
هذا الدستور العظيم لا يمكن أن يستقر في الأرض دون أن يكون له منهج واحدٌ لفهمه، معينٌ من لدن العزيز الحكيم الذي أنزله لعباده واختاره لهم ؛ لأن تباين الأفهام في هذا الدستور لا يحقق صحة مرجعيتِه؛ بل يجعله خاضعا لتلك الأفهام على اختلافها ولا يجعلها خاضعة له ؛ ولاشك :أن المطلوب خضوعها له؛ إذ به يتحقق البلاغ ؛ أما إن كان هو الخاضع للأفهام فلا معنى للقول بِحُحِّيَتِه .
لذلك جاءت الآيات النَّاصَّة على عربية القرآن خادمةً لهذا المعنى ، ومنها : قوله تعالى:﴿كِتابٌ فُصِّلَت آياتُهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لِقَومٍ يَعلَمونَ﴾ [فصلت: ٣] أي يعلمون معانيه لكونه أُنْزِلَ بلسانهم.
وقوله تعالى:﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: ٢] فَرَبَطَ عربيتِه بالعقل عنه ، وعقل الأمر :دَرَجَةٌ أبلغ وأخص من العلم ، وتشمل فهمه وتدبره والاستنباط منه ، ومفهوم الآيتين :أن القرآن كما لا يُمكِنُ أن يُعْلَم معناه بغير العربية ، فكذلك لا يُمكِنُ أن يُعْقَلَ على النحو الذي ذكرتُ بغيرها ، فكما أن العربية هي لغة لفظه فهي لغة علمه وعقله .
وقال تعالى :﴿وَكَذلِكَ أَنزَلناهُ حُكمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعتَ أَهواءَهُم بَعدَما جاءَكَ مِنَ العِلمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] فنصت الآية على أنه حُكمٌ ، أي مُحْتَكَمٌ إليه ، ووصفت هذا الحكم بكونه عربياً ، أي أن المرجع في فهمه هو إلى قواعد العرب في فهمهم للخطاب ؛ وفي الآية إشارة إلى أن فهم هذا الحكم على غير مقتضى أفهام العرب هو من الهوى الذي توعد الله من اتبعه ، لأن الله قد أنزله على قوم يعلمونه ويعقلونه ، فإذا أتيت في آيات القرآن بفهم ليس على طريقة ما يعلمونه ويعقلونه فقد اتبعت هواك ولم تتبع ما أنزل الله تعالى .
وقد كان الحديث عن عربية القرآن في لفظه ومعناه ومسالك فهمه من أعظم ما أولاه الشافعي رحمه الله تعالى عنايته في كتاب الرسالة ، ذلك أن أهل الأهواء في عصره وقبل عصره إنما كان أقوى حججهم فيما انحرفوا إليه من القول ناشئاً عن التأويل الفاسد الذي هو صرف الألفاظ إلى غير معانيها الظاهرة إلى معانٍ أُخَر .
وهذا الخلل في الصرف يأتي على أنحاء:
فالنحو الأول :أن يأتي بأحد المعاني الصحيحة لللفظ، لَكِنَّ السياق لا يحتملها ، كما فعلت الخوارج حين قالوا لعلي رضي الله عنه:كيف تُحَكِّم الرجالَ وعندك كتاب الله ، مستدلين بمثل قوله تعالى(إن الحكم إلا لله) فكلمة "الحكم"من الألفاظ المشتركة التي لها عدة معانٍ يفصِلُ فيها السياق ، فيطلق الحكم ويُرَادُ به القضاء، ويطلق ويراد به الولاية ، ويُطلَقُ ويراد به لفظ القاضي في الفصل بين المتحاكمين ، ويطلق ويراد به النص الذي يستند إليه الحكم ، ويطلق ويراد به أمر الله وشرعه ؛ فرجوع عليٍ رضي الله عنه إلى الحَكَمَين أراد به القضاء بينه وبين معاوية ، وتنزيلُ الخوارج للآية على هذا الأمر كان خطأ منهم وانحرافاً عن مدلول السياق في فهم العرب .
والنحو الثاني :نقل المعنى من الحقيقة إلى المجاز ، دون أن تتحقق شروط المجاز عند من يرى وقوعه في لغة العرب ، كما هو مُسْتقرأ من أفهام العرب ، الذين عُرِف من تتبع استعمالاتهم للألفاظ في غير معانيها كونُهم يشترطون جامعاً بين المعنى الأصلي الذي يسميه البلاغيون الحقيقة ، وبين المعنى الجديد الذي يسمونه المجاز ، كتسمية العالِم بحراً بجامع غزارة المحتوى وتسمية الرجل أسداً بجامع الشجاعة والمرأة قمراً بجامع الحُسن ، فمن نقل اللفظ عن معناه ،دون عِلاقة، زاعماً المجاز ، فقد خرج عن أفهام العرب ،كما فعلت الجهمية والمعتزلة وأفراخهم في تأويل صفات الله تعالى .
والنحو الثالث: أن يزعم أن لللفظ معنى لا تعرفه العرب أصلا ،لا حقيقة ولا مجاز ، أو أن يكون للفظ حقيقة شرعية وحقيقة لغوية ، فيتشبث بالحقيقة اللغوية وينكر الشرعية ، كما فعلت طوائف الباطنية قاطبة ، وكما يفعل أدعياء التنوير اليوم حينما ينكرون بعض الحدود وبعض الواجبات ويستحلون بعض المحرمات باختراعهم معاني جديدة للآيات ، كمن زعم أن الجبت والطاغوت بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو صرف اللفظ عن حقيقته الشرعية كمن زعم أن الصلاة إنما هي الدعاء دون الصلاة المخصوصة.
كما أن مِن فَهْمِ العرب لغتهم :انقسام كلامهم إلى مجمل ومبين ، وأن العرب لا تأخذ بمجمل القول قبل أن يأتي بيانه ، وأن هذا الإجمال قد يأتي من عموم اللفظ أو إطلاقه ، فحينذاك تنتظر التخصيص أو التقييد ، فإن لم يأتها مخصِّص أو مقيد عملت بالعموم أو الإطلاق إن كان يصح في المعقول العمل بهما ، وإلا قيدتهما بمُقَيِّد عقلي أو عُرْفي ؛ وقد يكون الإجمال بالاشتراك بأن يكون للفظ أكثر من معنى، فالعرب حينذاك تعمل بأحد معانيه التي يدل عليها السياق أو السباق أو اللحاق ، أو يُحَدِّد المراد نصٌ آخر ؛ فإن لم تجد العربُ للمجمل بياناً بأنواعه الكثيرة التي ذكرنا شيئاً منها ؛ فإنها تهمله ولا تلتفت إليه .
هذا كان شأن العرب في لغتها ، لذلك دَوَّنَ الشافعي القواعد العريضة في بيان المجمل مستنداً إلى أفهامهم التي تناقلها العرب كابراً عن كابر ، وهي في الحقيقة جزء من اللغة ؛ لأن اللغة لفظٌ ومعنى ، واللفظ إما مفرد وإما مسند ، فلا يصح الاقتصار في فهم أي لغة على معاني ألفاظها المفردة ، بل يجب الوقوف عند تراكيبها وكيف تكون دلالاتها .
ولمَّا كانت النصوص النبوية هي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن الأحاديث يعتورها من حالات المتحدث أو حالات السامع أمورٌ تؤثر على فهمها ، فكان الشافعي رحمه الله تعالى سباقاً إلى تدوين تلك الأمور ، وكان لِمَا فعله الشافعي من ذلك أهمية كبرى في زمانه وزماننا وما بينهما ، حيث تشرح تلك الأحوال أسباب اختلاف الرواة في حكاية الحديث الواحد ، ويُتَوَصَّلُ منها إلى معرفة طرائق الترجيح بين تلك الروايات ، وتحول دون أن يَكُوْن الترجيح بين الروايات بمحض الهوى الشخصي ، وإنما يخضع لقواعد يبدأ تطبيقها على الرواة الأُوَل النَقَلَةِ مباشرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنتهي عند ما يسميه المُحَدِّثون أولَ السند .
نعم: تحدث الشافعي عن الإجماع والقياس ؛ لكن مَكَانة كتابه"الرسالة"جاءت أكثر ما جاءت من حديثه عن اللغة وطرائق فهمها ، وهي من اللبنات الأول التي وضعها في علم الحديث رواية ودراية .
والحملة عليه وعلى كتابه رحمه الله إنما جاءت من أجل هذه القواعد التي لم نُشِر في هذه المقالة إلا إلى شيء منها .
وليس هذا حملة عصرية كما قد يظن البعض بل هو قديم جداً ، إذ إن كتابه أضحى عدواً لكل أهل البدع ؛ ولعله لهذا السبب لم يحظ بكثير من الشروح ، إذ توقف شرحه من القرن الخامس الهجري حين شاعت البدع حتى بين أصحاب الشافعي ووجدوا أن الرسالة حجة عليهم ولا يُمْكِنُهم شرحها دون اللجوء إلى تأويلها هي نفسها ، وهذا عسير حيث تتضمن نصوصاً تنهى عن التأويل ، ولا يمكن الجمع بين التأويل وبين النص الذي بنهى عنه .
د محمد بن إبراهيم السعيدي

إضافة تعليق جديد

اخترنا لكم

كتب و بحوث

جانبي