تدريس الفلسفة ، حاجة أم لجاجة.

تكبير الخط تصغير الخط

ضلال الأفكار ، والانخداع بالضالين ،وغلبة العواطف على العقول ،والتباس الحق بالباطل والباطل بالحق وصعوبة التماس المسالك نحو الصواب وسطوة الفكرة السائدة على عقول الأفراد ؛ كلها مشكلات أزلية صاحبت جميعَ شعوب الأرض منذ أن خلق الله آدم وسوف تبقى معهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؛ وقد حاول المفكرون منذ عهود الحضارات القديمة وضع قواعدَ أو رياضات عقلية للتفكير عَلَّهَا تُساعد في وصول الإنسان إلى الحقيقة ؛ لكنْ وحسب ما نجده اليوم واضحاً من تاريخ الفكر البشري، يظهر أن تلك القواعد وتلك الرياضات لم تفلح أبداً فيما أُرِيد منها ؛ ولعل التجربة اليونانية تُمَثِّل الشاهد الأوضح على هذه النتيجة المؤسفة ؛ لأنها تجربة حفظها لنا التاريخ ، كما أنها أيضا تجربة تداولتها عن اليونان كثير من الأمم ومنهم الأمة الإسلامية .

فقد نشأت الفلسفة اليونانية قبل ميلاد المسيح بما يقارب الستة قرون في جو ليس فيه ذكر للنبوات أو العلم الإلهي أو المنهج التجريبي ؛ لذلك ظلت تَحْكُمه الأساطير بشكل مخيف ، فهو يعيش في صراعاتٍ بين مُدنه وقراه ، وصراعاتٍ بينه وبين الشعوب والدول المجاورة كالرومان والفرس وصراعاتٍ مزعومة بين عشرات الآلهة الذين أوجد لهم الكهنة عشرات التخصصات والقصص التي تحكي صراعاتهم وحياتهم العاطفية مع الإلهات الإناث وخياناتهم ومكائدهم لبعضهم ومكائدهم لعُبَّاد بعضهم من البشر ؛ كما تحكي أشكال العذاب التي يعاقِبُون بها عصاتَهم ؛إلى غير ذلك من الأساطير حول الآلهة والحياة الأخرى التي صبغت المجتمع بصبغتها حيث تَخَلَّق الناسُ بكثير من الأخلاق التي ينسبونها للآلهة المزعومة من القسوة والكيد والغدر والغلظة والخيانة ..

ولم تكن هذه الأجواء المتلبسة بالخرافة والسوء المستفحل لتلبي تطلعات الأذكياء الذين لا يجدون في كل ما حولهم أجوبةً للأسئلة الفطرية التي إذا لم يجد العقل من حوله جواباً لها ترضى بها روحُه وتطمئن إليها فطرته فإنه لا يستسلم لها بل يظل يسأل ويبحث عن الجواب إلى أن يهتدي إليه أو يبقى في تيه الضلالة .

من أين جئنا؟

ولماذا ؟

وكيف؟

ومتى ؟

وإلى أين ؟

كانت هذه الاسئلة كثيرة الإلحاح على أولئك الأذكياء ، ولأنهم لم يكونوا يملكون منطلقاتٍ تعينهم على الوصول إلى نتيجةٍ تطمئن لها القلوب فقد تكاثرت أسئلتهم حول هذه القضايا الخمس ،وتولد بعضها من بعض ؛ فكانت تلك الأسئلة المتوالدة وأجوبتها المتكاثرة المتناقضة في ذلك التاريخ السحيق هي الفلسفة ؛ وكان هؤلاء المتسائلون المجيبون هم الفلاسفة الذين أصبحوا في ذلك المجتمع من الشخصيات المرموقة التي يقتنع الناس شيئاً فشيئاً بهم وبما يقولون أكثر من قناعته بالكهنة والمقتاتين على صناعة الأساطير.

ومما تولد عن تلك الأسئلة أسئلةٌ كثيرة حول الطبيعة والفلك والنفس والتاريخ والأخلاق ؛ فكانت الفلسفة في العصر الإغريقي مجموعة من العلوم الكثيرة ، واحدٌ منها فقط هو ما يتعلق بمصير الانسان وخَلْقِه وأسرارِ وجوده وأصلِ نشأة الكون ومن هو خالقه وماهي صفات ذلك الخالق ؛ وهو ما سمي فيما بعد بعلم ما وراء الطبيعة[الميتافيزيقا] .

وبدأت تلك العلوم المجتمعة في دائرة الفلسفة تستقل شيئاً فشيئاً عبر مسارها التاريخي لاسيما حين مرت بالطور التجريبي لدى المسلمين ولم تعد مقتصرة على الجانب النظري المتمثل في الأسئلة والأجوبة الافتراضية ، ثم أخذت بعد ذلك كامل استقلالها حتى لم تعد اليوم تسمى فلسلفة ؛ بل أصبحت تلك العلوم التي كانت مندمجةً في بوثقة واحدة من الأسئلة والأجوبة الفلسفية علوماً متباينة لا يجمع بين كثيرٍ منها رابط.

علمُ الطب ،وعلمُ الاجتماع ،وعلمُ النفس ، والفيزياء والكيمياء ، والجغرافيا ، والفلك …

كل تلك العلوم وغيرها كانت تجمعها الفلسفة ؛ لكنها اليوم نالت استقلالها الكلي ولم يبق ضمن الفلسفة إلا ما وراء الطبيعة ؛ أي: تلك الأسئلة الخمسة التي تدعو إليها الفطرة حين تبتعد أو تُبْعد أو تنسى منهج النبوات.

 

وهنا جملة اعتراضية هي:أن ما تقدم هو تاريخ العلم عند اليونان ؛ أما في الحضارت الأسبق من اليونان كالهندية والصينية والبابلية فقد كانت العلوم أكثر استقلالاً منذ وقت مبكر.

نعود إلى قواعد التفكير ؛ فإنه لَمَّا رأى كبار فلاسفة اليونان أنهم في كل ما بحثوه وناقشوه في أسئلتهم وأجوبتهم لم يستطيعوا الوصول إلى الحق الذي تطمئن النفوس إليه بل اصبحت آراؤهم من التشتت والتناقض والكثرة بحيث تفوقت به على أعداد الالهة وأساطير الكهنة التي تفلسفوا من أجل الفرار منها والنأيُ عنها ؛ بدأوا يُكَوِّنُوْن لأجل ذلك قواعد للتفكير

لعلها تفيدهم في تقليص ذلك الشتات وتقريب تلك الانحرافات ؛ وهو ما عرف بالمنطق اليوناني الذي اكتمل على يدي ارسطو طاليس .

ومع ذلك ، ومع أن المنطق اليوناني والقياس الأرسطي كانا مُنْتَجاً عقليا عظيما من منتجات الحضارات البشرية الا أنهما لم يستطيعا تحقيق ما يهدفان اليه من ايصال البشرية إلى الحق ؛بل استمرت تجاذبات الفلاسفة وتضارب أقوالهم ، ولم تُغن عنهم تلك الضوابط المنطقية في كبير شيء ؛فكل العلوم التي كانت تسمى فلسفة خرجت من الفلسفة بتأثير المنهج التجريبي وليس بتأثير المنطق ؛ بل إن المنطق كاد أن يكون نسياً منسياً في تلك العلوم الكثيرة ، ولم يعد له عَمَل إلا فيما وراء الطبيعة ، وبقيت بعض مصطلحاته في الرياضيات وبعض ما تفرع عنها وحسب .

وحتى دخول المنطق إلى علم ما وراء الطبيعة لم يؤد إلى الاهتداء إلى الحق بل بقي الفلاسفة رغم شغفهم بالمنطق والقياس الأرسطي مختلفين في كل القضايا الماورائية ، وقد واجهوا مشكلة عدم جدوى المنطق في إيصالهم إلى الحقيقة بمغالطة كبيرة جداً هي ضد المنطق بل تنسف المنطق من جذوره ، وهي القول بأن الحق متعدد ؛ وقد لاحظ بعض الفلاسفة الأوربيين في مطلع النهضة الحديثة هذا العجز في فن المنطق فأقام فلسفته على إبطاله والاقتصار على الاستقراء كوسيلة وحيدة للوصول إلى الحق ، وأعني فرانسيس بايكون وإلى مدى أقل رينيه ديكارت .

ننتهي من هذا الكلام إلى نتيجتين:

الأولى: أن الفلسفة عِلْمٌ بائد لم يبق منه سوى تساؤلات ما وراء الطبيعة وشيء مما يتعلق بها من علم الأخلاق ونظريات المعرفة.

وهي نتيجةٌ يظهر منها وبجلاء لماذا نرفض تدريس الفلسفة ؛ فإن العلوم النافعة والتي انبثقت عند اليونان من الفلسفة ،كلُّها تُدَرَّس في بلادنا بالمصطلحات والهيئة التي وصلت إليها في آخر تطورات العلم ، فطلابنا منذ أُنْشئ التعليم في بلادنا يدرسون الفيزياء والكيمياء وعلوم الأرض والجغرافيا والتاريخ والسياسة والطب وعلم النفس والاجتماع والتربية وغيرها من العلوم التي يُدْرَس بعضها في التعليم العام وبعضها في الجامعي ولجميعها كليات متخصصة كدراسة عليا ، وليس هناك ما يمنع من دراسة التساؤلات الفلسفية التي قامت عليها تلك العلوم ، ولكن في مظانها من برامج تدريس تلك العلوم تفسها كفلسفة التربية وفلسلفة علم النفس وفلسلفة علم الاجتماع.

أما تساؤلات ما وراء الطبيعة فقد عَلَّمَنَا أجوبَتَهَا كتابُ الله تعالى وسنةُ رسوله صلى الله عليه وسلم ، فصارت بالنسبة لنا حقائق قطعية لا يجوز أن نُعَلِّم أبناءنا الشك فيها ؛ أما أقوال الفلاسفة في تلك القضايا فإنما هي هباء وغثاء ومزيد كفر وإلحاد لن تزيد بلادنا تقدماً ولا طلابنا إلا سوءً ؛ وأي قارئ غير مصاب بمرض الهزيمة الحضارية لأي كتاب من كتب مبادئ الفلسفة التي ألفها الغربيون أنفسهم يدرك صدق ما أقول ، وليست مُنَاقشاتهم وآراؤهم فيما يتعلق بالقضايا الماورائية إلا معاول تهدم الإيمان في القلوب.

النتيجة الأخرى:أنه لا يوجد قواعد عامة للتفكير تضمن الوصول إلى الحق.

والقول بأن الفلسفة تفعل ذلك وتُقَدِّم ما يضمن عدم وقوع أبنائنا في الانحرافات الفكرية ، لاسيما التشدد الديني والتكفير والتفجير ، هذا القول إنما هو مغالطة وحجب للحقائق ، فالثورة الفرنسية قامت على أكتاف الفلاسفة كثورة على النظام الملكي من أجل إقامة الحلم الديمقراطي ، ويعلم المؤرخون المنصفون حجم الدماء التي أُريقت جراءها وكيف ظلت فرنسا بعدها نيفاً وثمانين عاماً وهي في قبضة نظام استبدادي نابليوني وفي حالة عداء شديد مع العالم.

نعم إن للتفكير قواعد تجعله أكثر يُسراً ونضجاً ، لكنها لا تضمن وصول المُفَكِّر إلى الحق ، منها ما هو مستفاد من القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما هو مستفاد من المنطق ومن القياس الأرسطي ، ومنها ما هو مستفاد من التجارب .

لكن حين يأتي ربط هذه الطرائق بالفلسفة فيقال: إن تدريس الفلسفة للطلاب سيوسع مداركهم ويبعدهم عن التفكير المتطرف ،فحينئذٍ نحن أمام مغالطة خطيرة جداً ، وفي طريق السعي المقصود أو غير المقصود لتدريب أبنائنا على التساؤلات الماورئية التي لا تثمر سوى الشك والانفصام العقدي والانهيار الديني .

إننا ندعو بشدة إلى تدريب أبنائنا على طرائق التفكير العلمي ، وأساليب الحوار الصحيحة ، والمكتبة السعودية والإسلامية تزخر بكثير من هذه الدراسات ؛ لكننا ضد إلباس الفلسفة ثوباً غير ثوبها وإخفاءِ عطبها ومعالم هرمها وانهيارها ، والتلبيس بها علينا ، وفي النهاية لن تكون النتيجة سوى إنهاك أجيالنا القادمة بمادة الضياع الفكري والانهيار العقدي التي تشتكي منها الأمم من حولنا.

 

د محمد بن إبراهيم السعيدي

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.