الدولة السعودية الأولى،وحديث عن البناء العقدي

تكبير الخط تصغير الخط

 

يحدث دائما أن تبتلى الدولة السعودية بالفريةعليها ، وأنها دولة قامت في أساسها علىتكفير العباد ، وقتل المسلمين وإخافتهم ،حتى تمكنت من حكم الأرض .

وأصحاب المزاعم هذه يحمدون الله أن قيض الترك والألبان لإسقاطها ،ويرون ذلك مجداً لمن شارك فيه ، لكن الردود عليهم كثيرة جداً ،ومتكررة أيضاً ، وقد ذكرتُ بعضاً منها في كتابي “إنصاف الجبرتي” لكن الجديد اليوم:أن تُبتلى الدولة السعودية الأولى بمن يقول إنها لم تنهض تلك النهضة بأسباب دينية ،وأن العقيدة الدينية كانت قائمةً قبل قيامها ،والناس أهل تدينٍ ومعرفة قبل أن تظهر الدولة السعودية ، وقبل أن يُعْرف هذا الجانبُ من حُكَّامها .

ومما يستدل به هؤلاء ،كثرة العلماء في قرى نجد آنذاك ، وما يذكرونه من مسائل فقهية تدل على وجود الصلاة والزكاة وانتشارها فيهم ، وينقلون لذلك نقولاً كثيرة يظنون أنها تنهي النقاش وتقضي على كل قول يخالف مايرونه .

وينقمون على شَيْخَيْ المؤرخين في زمانهماابن غنام وابن بشرأنهما ذَكَرَا من جاهلية المجتمع النجدي قبل الدولة السعودية الأولى شيئا عظيما .

وهنا سوف أرد على بعض ما ذكروه بشيء من الاختصار ، وذلك بعد بيان الموقف الصحيح من نشأة هذه الدولة ومن انتشارها .

فأقول وبالله التوفيق:

أما نشأة الدولة، فكغيرها من الإمارات النجدية ،قامت على عصبية الأسرة ، ولم يكن لهذا النوع من العصبية حظوة عند غير أهل القرية التي تنشأ فيها ، أي لم تكن عصبيةً تؤهلها لحكم غيرها من القرى ، فضلاً عن البوادي التي تتمتع بما يفوق بمراحل ما تتمتع به القرى من العصبية للأمراء .

هذا عن نشأتها أول الأمر ؛ أما انتشارها فكان العامل الديني وصدق آل سعود في تبنيه ،هو العامل الأول والأقوى ، إن لم نقل :إنه العامل الوحيد ،فلك أن تقول هو العامل الأوحد في انتشار الدولة ووصولها إلى مناطق من جزيرة العرب في الشرق والغرب والشمال والجنوب لم تكن قريةٌ نجديةٌ أو باديةٌ في نجد أو غير نجد تتأمل أن تصل إليها ،وما كان من تأمين السُبُل وأمن الناس على أعراضهم وأموالهم وأنفسهم فليس سوى نتاج هذا العامل الديني ، لا ينفصل عنه ، إذ  إن ارعواء الناس في ذلك الحين للدين وأهله فوق ارعوائهم لملوك الدنيا ، ولك أن تقارن بين الأمن في الجزيرة أيان الدولة السعودية الأولى والأمن في العراق والشام حيث الدولة العثمانية ، صاحبة القوة التي أسقطت الدولةً السعودية ، لتجد أن الكفة ترجح لصالح السعودية رجحانا بيناً، فليست القوة أو السطوة هي العامل الأول في النجاح ،يضاف إلى ذلك أن القوات السعودية لم تكن هي الأكبر والأعلى تفوقاً ، بل كانت هي الأقل قدرة وعددا في المعارك الحاسمة ، كمعاركها في أرض العراق والتي انتصر فيها السعوديون.

أما ما يحتجون به من كثرة العلماء قبل دعوة الشيخ محمد ، وبعد دعوته ، فإن العلماء في بلاد الشام ، والشام كمثال في ذلك الزمن ،كانوا يفوقون علماء نجد ، ليسو ضعفاً لهم ولا ضعفين ، بل أضعافاً كثيرة ، ومع هذا فقدكانت الشام مركزاً للصوفية الغالية ، ومايتبعها من انحرافات في التوحيد لا تخفى على أحد ، فكون العلماء كثيرون لا يعني طِيْبَهُم ، كما لا يعني نقاءَ اعتقاد المجتمع ،نعم كان في نجد بضعة علماء متفرقون في القرى ، لكنهم لم يكونوا فاعلين في الدعوة إلى التوحيد ، ومنهم من كان يوافق أهل البدع رغبة أو رهبة أو قناعة .

أما ما ذكروه من كون أهلِ نجدٍ يصلون ويزكون ويعرفون الشرائع والحلال والحرام فيُسَلم لهم ذلك في كثير من قرى نجد وليس في. كلها ، لكن القرى لا تمثل كل أهل نجد ،فالحاضرة النجدية لا يمثلون إلا عشرةً في المائة من السكان بينما يُمثِّل البادية تسعين في المائة ، ولك أن تنظر في الإحصاء الذي قدمه فيلكس مانجان لعدد سكان القرى آنذاك، في كتابه عن تاريخ مصر والذي طبعت دارة الملك عبد العزيز جزءه عن الدولة السعودية .

ولم يكن الحكم العثماني ولا أي حكم في الجزيرة قادرا على البادية الذين كانت مشايخهم تمثل لهم قيادات مستقلة لا تخضع لأي حكومة ،ولم يكن خضوعهم إلا للدولة السعودية التي أحكمت السيطرة على القبائل بقدر ما أحكمتها على الحواضر ، ولم تكن لتكون كذلك لولا العمق الديني الذي كان للدولة السعودية في ظل تطورها من إمارة قرية إلى إمامة ،  ومعلوم ما يعنيه مصطلح الإمامة من الدلالة على أنها دولة تحكم الدنيا بالدين .

وصلاة الناس وزكاتهم لم تكن أصلاً يخالف فيه السعوديون من سواهم ، وإنما يخالفونهم في أصل التوحيد ، وأما الصلاة والزكاة والصوم والحج فقد كان كثير من الناس في نجد يقيمونها كما كان كثير من الناس أيضا في العراق والشام ومصر يفعلون ذلك ، وعلى هذا قال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في رسالة له :“فيكون عندكم معلوم أن جميع الفرائض،وجميع المحرمات ،ما اختلفنا نحن والناس في شيمن ذلك ؛الاختلافُ بينناوبين الناس عند حق الله تعالى،كونَ العبادة له وحده لا شريك له؛وحقُ الرسول صلى الله عليه وسلم التصديقُ والطاعةُ في جميع ما يأمر بهوجميع ما ينهى عنه” رسائل أئمة آل سعود ص ٥٧

فها هو الإمام عبد العزيز بن محمد يبين أن العبادات ليست محل خلاف بين الدولة وخصومها ، وإنما الخلاف في أصول الدين كدعاء غير الله والاستغاثة بالموتى وغير ذلك .

والإمام عبد العزيز أيضا يؤكد أنهم كانوا ضلالاً حتى أتم الله عليهم النعمة بشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، فليس هذا من خرافات ابن بشر وابن غنام كما يزعمون ، قال الإمام عبد العزيز بن محمد  وإلا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله، من عبادة أهل القبور، والاستغاثة بهم، والتقرب إلى الله بالذبح لهم، وطلب الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من  فعل الفواحش والمنكرات وارتكاب الأمور المحرمات وترك الصلوات وترك شعائر الإسلام حتى أظهر الله الحق بعد خفائه، وأحيا أثره بعد عفائه على يد شيخ الإسلام، فهدى الله تعالى بهمن شاء من الأنام، وهو الشيخ محمد بن عبدالوهاب أحسن الله له في آخرته المآب” رسائل أئمة آل سعود ٤٥.

فهذا كلام الإمام عبدالعزيز ، ولم يقله الشيخ محمد عن نفسه .

أما كون بعض أهل العلم لديهم معرفة بالعقيدة الصحيحة ومنهم من ألف فيها ، فهذا أمر حق ، لكن لا أحد قبل الشيخ محمد قام بالدعوة للعامة والخاصة ، نعم كانت هناك دعوتان في تركيا والشام ،وهما دعوة البركوي ودعوة قاضي زادة ،لكنهما لقيتا خصومة كبيرة من قبل الناس ،ولم يكن لهما النصيب الذي وجدته دعوة الشيخ محمد عند آل سعود،لذلك لم يكن لهما كبير أثر ، أما دعوة الشيخ محمد فقد لاقت صدراً رحباً ورجلاً مؤمنا كان للدعوة النصيب الأكبر في جلب الأتباع له ،وكان لسيفه بالغ الأثر في نشر الدعوة وهو الإمام محمد بن سعود وابنه عبد العزيز وحفيده سعود .

ومِنَ الذين انتقدوا كتابَي ابن غنام وابن بشر، من جعلوهما مضادين لما ذكره مؤرخون آخرون ،ذكروا  منهم ابن عباد ، وليس هو  فالحقيقة مؤرخاً كما يحلو لهم تسميته ، وماكتبه إنما هو ورقات قليلة ذكر فيها الوقائع من سنة ١٠١١ حتى ١١٧٨ كما لم يذكر فيها ابن سعود سوى مرة واحدة وذكر أهل العارض في موقعتين أو ثلاث ، كلها هُزم فيها أهل العارض .

أما تاريخ ابن يوسف فهو مثل تاريخ ابن عباد، وينتهي سنة ١١٧٣ ولم يذكر غير خبر واحد عن آل سعود سنة ١١٦٢ قال فُضيت حريملا يوم فَضي المسلمين لها” وذكر المحقق أنه في بعض المخطوطات ذكر أهل العارض ولم يذكر المسلمين ، وعموماً فتسميته أهل العارض بالمسلمين ، يجعله مثل ابن غنام وابن بشر ، فأين المعارضة.

والثالث تاريخ ابن لعبون ، ولا أعلم ما هو التناقض الذي بينه وبين ابن بشر ، وهو يسمي من ينتسب للدولة السعودية بأهل الدين ، ويصف جيشها بالمسلمين.

أما الرابع فهو الفاخري الذي يصف من خرجوا عن الدولة السعودية بالردة ويصف جيشها بالمسلمين ، فأين المناقضة بينه وبين ابن غنام وابن بشر؟! .

وكذلك الأمر في ابن عيسى وابن بسام ،وعموماً فإن تاريخ ابن بشر هو أكمل التواريخ النجدية وأعظمها نفعاً ولا يضيره قدح من قدح فيه أما ابن غنام فليس له كتاب في التاريخ وإنما كتابه لمرتاد أحوال الشيخ في اعتقاده وفقهه ،وخصص جزءًا يسيرا في هذا الكتاب للتاريخ ، ولا شك فقد فاته الكثير ،ومما فاته أنه لم يذكر أسباب الحروب التي قام بها أئمة الدولة السعودية ، وهو خطأ تبعه فيه من أرخ للدولة ، وإلا فإنك لا تجد حربا على قرية إلا كانت تلك القرية هي البادئة ،ولولا الإطالة لبينت ذلك ولعلي أفعل في مرات قادمة .

الخلاصة أن الدولة السعودية دولة قامت على الدين وعلى العقيدة الصحيحة ، وعلى ذلك أجمع كل من كتب عنها ممن ناوأها ، أو وافقها ، لكن المناوئين لا يصفون عقيدتها بالصحيحة ؛ أما صاحب هذه الأوهام فكلامه هراء محض لا يصدقه عليه أحد سواء خالف الدولة أو وافقها .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.