آخر الأخبار

مقال الأستاذ خالد الغليقة
المسلمون بين راحيل وأبي حصيرة
بسم الله الرحمن الرحيم
المسلمون بين راحيل وأبو حصيرة
لا يمكن للمسلمين أن يعِزّوا وينالوا التمكين في الأرض، والأمنَ في الأوطان، وهم بين راحيل وأبو حصيرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى ربط وعلّق وأوثق، في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، العزّةَ والتمكينَ والاستخلافَ في الأرض والأمنَ والأمانَ وسعةَ الأرزاق بالإيمان، وبالمؤمنين الذين لم يشركوا به شيئًا فقط؛ فكلما زاد الإيمان في المسلمين أكثر نالوا وفرةً منها جميعًا، وكلما نقص إيمانهم وقلّ المؤمنون فيهم خسروا بقدر ذلك.
مصداق ذلك أن زينب بنت جحش، أم المؤمنين، سألت النبي ﷺ: أنهلك، يا رسول الله، وفينا الصالحون؟ فقال ﷺ: “نعم، إذا كثر الخبث”.
والخبث ليس حجرًا ولا شجرًا، بل هو أفعال المسلمين المخالِفة للإيمان، ومن أعظمها “شرك القبور”. ومن ذلك الاستغاثة بالمقبور في طلب الحاجات، وقضاء الملامات، فالله سبحانه وتعالى يقول في جعل الإيمان سببًا للعزّة: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾.
وقال سبحانه وتعالى في جعل الإيمان سببًا للتمكين والاستخلاف في الأرض والأمن: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وقال سبحانه وتعالى في جعل الإيمان سببًا للرزق: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقال سبحانه وتعالى في جعل الإيمان سببًا في الأمن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
والمقصود بـ”الظُّلْم” هنا: الشِّرك، كما فسّره النبي ﷺ في حديث ابن مسعود (رضي الله عنه)، فعنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: يا رسول الله، وأيّنا لا يَظلِم نفسه؟ فقال النبي ﷺ: ليس ذلك، إنما هو الشِّرك. ألم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [رواه البخاري ومسلم].
وياللأسف والأسى العظيمين، والرزيّة كلّ الرزية، أن المسلمين لم يكتفوا بالأعمال الشركية عند أضرحة المنتسبين للإسلام، التي خسروا بسببها العزّة والتمكين والاستخلاف في الأرض والأمن وسعة الرزق؛ فذهبوا إلى أضرحة اليهود لعلهم يجدون فيها شيئًا من ذلك، من دون الله (سبحانه وتعالى).
ومن ذلك ضريح (راحيل ) ، وهو على ما يدّعي بعض المسلمين المقيمين على سدانة الضريح وما يدعيه اليهود أن راحيل هي زوجة يعقوب (عليه السلام) وأم يوسف (عليه السلام)، وهذا الضريح موجود في فلسطين.
وحكايته كما ذكرها المؤرخ الفلسطيني عبدالله مخلص، ولكنه – مع الأسف – لم يعلّق بما يدين ما يُفعَل عند الضريح ، بل تحسّر على فقد المسلمين سدانة الضريح ، وعلى سيطرة اليهود عليه، فيقول : (والغريب في أمر قبر راحيل أنه كان منذ الأزمنة المتطاولة في القدم في يد المسلمين، يدلّنا على ذلك ما رواه غرس الدين خليل بن شاهين الظاهري، المتوفى سنة (٨٧٢هـ/ ١٤٦٧م) من عمارة أبيه شاهين الظاهري قبةً وصهريجًا ومسقاةً للسبيل في ذلك الضريح.
وما ذكره الأب مايسترمان (Meistermann) في دليله من إقامة محمد باشا- في هامش الكتاب : لعله محمد بك – والي بيت المقدّس سنة (٩٦٨هـ/ ١٥٦٠م) الجدران الأربعة تحت أقواس القبة المكشوفة، وبنائه قبرًا تحتها بدلًا من الشكل الهرميّ الذي كان فيها، واتخاذها مزارًا للمسلمين. وقد ظلّ هذا القبر بأيدي المسلمين إلى القرن الماضي، فحصل السير “موسى منتفوري” من كبار اليهود البريطانيين على إذن من الدولة العثمانية، صاحبة السلطات على الأرض المقدّسة إذذاك، بتسليم مفتاح القبة لليهود، على أن يبني إلى جانبها مصلّى للمسلمين، فبنى لهم سنة (١٢٥٧هـ/ ١٨٤١م)، وجعل المحراب في وسطه. هذا ما يقوله الأب ما يسترمان في دليله.
والذي سمعته من شيوخ بيت لحم أن مفتاح قبة راحيل كان إلى الأيام الأخيرة في أيدي المسلمين، وأن قبيلة التعامرة، الضاربة بجوار بيت لحم، هي التي كانت قيّمة عليها، إلى أن أُغرِي أحد شيوخهم بالمال، فسلّمه لليهود لقاء دراهم معدودة، وكان فيه من الزاهدين، وأن المكان المعقود بجانب القبة، والذي نستطيع أن نسمّيه “مصلى” قد بني في سنة (١٣٢٢هـ/ ١٩٠٤م).
ولإزالة اللبس بين الروايتين يجوز لنا أن نستنتج أن القبة أعطيت لليهود بإذن الحكومة، ولكنهم لم يتمكنوا من القيام عليها ومحافظتها في تلك الأيام بدون حامٍ يحميهم، فاستعانوا بتلك القبيلة، وائتمنوا شيخَها على القبة والمفتاح، إلى أن اشتدّ ساعدهم، وقويت شوكتهم، فأخذوا المفتاح نهائيًّا، واستقلّوا بالقبة.
أما بناء المكان فقد نعلّله بالانهدام الذي بناه اليهود قبلًا، وإعادة المسلمين له، إذا صحّ أن الشرط الذي اشترطته الحكومة نُفِّذ في حينه.
فلما تمكّن اليهود منه زخرفوا القبة من داخلها، واتخذوا الشهر العبريّ الذي يوافق شهر أيلول (سبتمبر) من كل سنة موسمًا خاصًّا لزيارتها، وأخذوا يفدون عليها في ذلك الشهر زرافات ووحدانًا وركبانًا، يشمعلون [يوقدون الشمعدان السباعي] حولها، ويبكون، ويعولون.
والظاهر أن اليهود الذين لم يكن بأيديهم قبل قبة راحيل أيّ موضع دينيّ أثريّ قد جعلوا منها محجًّا يحجّون إليه، تقليدًا للنصارى الذي يملكون في بيت المقدس كنيسة…) إ.هـ. [انظر: جمهرة مقالات وبحوث، مؤرخ القدس العلامة عبدالله مخلص، ٢٢٨/٢].
أما الأسى الآخر، وقاصمة ظهر المسلمين الأخرى، والرزية الاخرى، فهو ضريح أبو حصيرة. يقول الدبلوماسي المصري مصطفى الفقي عن هذا الضريح : (كنا نزهو في مدينة دمنهور – بأن لدينا ضريح (أبو حصيرة)، وكنا نظن أنه واحد من أولياء الله، شأن غيره من الأضرحة؛ حيث كان تفكيرنا بسيطًا…، ولم تكن الفروق الدينية متغلغلة في الأعماق مثلما هي الآن، بل إن بعض زملائي خصوصًا من سكان قرية “دمتيوه” في أطراف مدينة دمنهور؛ حيث يوجد بالقرب منها ذلك الضريح الأثريّ المجهول الهوية حينذاك، كانوا يذهبون إلى ذلك المكان لاستذكار دروسهم تبرّكًا بالضريح وبساكنه المجهول، إلى أن تكشّفت الأمور – بعد سنوات – عندما أبدى الإسرائيليون حرصًا على الضريح، وتحدّثوا عنه باهتمام شديد؛ خصوصًا وأن وزيرًا إسرائيليًّا كان يحمل الاسم نفسه [وزير الأديان الإسرائيلي: أهارون أبو حصيرة]، ويدّعي أنه من أحفاد صاحب المقام. هنا بدأت الدولة المصرية تنتبه إلى “مسمار جحا”، الذي تريد إسرائيل أن تدقّه في غرب الدلتا، بدعوى أن «أبو حصيرة» كان حاخامًا يهوديًّا، وَفَد من المغرب، واحتمى بحصيرة عند الساحل حتى وصل إلى موقعه، الذي عاش ومات ودفن فيه…
هنا بدأ الرأي العام في مدينة دمنهور وضواحيها يتغيّر، وشعر الناس بأنهم كانوا مخدوعين لسنوات طويلة، وعندما أبرمت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في 26 مارس عام 1976م، دأَب اليهود من أنحاء العالم على التقاطُر إلى مكان الضريح، وإحياء ليلة مولده في صخب شديد تتخلّله المشروبات الكحولية، والأصوات العالية والاختلاط الشديد بين الرجال والنساء، من الزوار القادمين والقادمات من إسرائيل وغيرها…، فضجّ سكان المنطقة، ورفضوا تلك الممارسات ورفعوا دعاوى قضائية، انتهت بأن أوقفت الدولة احتفالات «أبي حصيرة»، وبدأت في حراسة الضريح حتى لا يمسّه مكروه). [دهاليز السياسة وكواليس الدبلوماسية، مصطفى الفقي، ٢٧].
وهنا لا نقول إلا ما قال ربنا (سبحانه وتعالى): ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.













![بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات[محاضرة مفرغة]](https://i1.wp.com/mohamadalsaidi.com/wp-content/uploads/2020/06/EE3D1CE0-F756-4577-B03E-79D00D1B6105-e1591160555879.jpeg?fit=300%2C200&ssl=1)




![الثقافة بين الثوابت والمتغيرات [ورقة عمل]](https://i1.wp.com/mohamadalsaidi.com/wp-content/uploads/2016/05/image-3-e1462922547584.jpeg?fit=300%2C300&ssl=1)
سبحان الله مع وضوح كون الشرك اعظم ذنب لايغفره الله الا ان اكثر المنتسبين للاسلام لازالوا مصرين عليه وهو سبب تخلفهم وضعفهم وهوانهم على ربهم جل وعلا .
وللاديب المصري المنفلوطي رحمه الله مقالة رائعة في هذا الموضوع تعد من روائع المقالات عنوانها (دمعة على الاسلام )