آخر الأخبار

علي بن أبي طالب بين إيمانه ومن قال بكفره
علي بن أبي طالب بين إيمانه ومن قال بكفره
—————
علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . وقد عُرِف النواصب وهو اسم لمن يبغضون عليا ، منذ العهد الأول ، ولكنهم كانوا يسيري العدد ولم يكن لهم من يحاجج عنهم ، بل كانوا عبارة عن رجال حفزهم وجود التشيع لعلي بن أبي طالب بشكل مروع في أول أمره إلى مناصبته وبغضاءه، وذلك حيث إن أول من بدأ نحلة المغالات في عليٍ هم الزُط والسبابجة ، وهم أقوام كانت تفد من الهند وبلاد وسط آسيا إلى جزيرة العرب وما كان منها قريبا كالعراق ، وكان دينهم مخالفاً للعرب الأصلاء ، ولما جاء الإسلام ، أسلم العرب وكان هؤلاء السبابجة والزط على دينهم ، وكان العرب يظنونهم مجوساً ، ولم يكن أولئك يظهرون دينهم الحق ، وكان بعض العرب في مشرق الجزيرة قد تمجسوا أي صاروا مجوسا ، فكان الزط والسبابجة يلتحقون بهم . وكانوا أي الزط والسبابجة أهل عربية ، وأظن أنهم لم يكن لهم لغة غيرها ، لطول مكثهم بين العرب حتى اختفت لغتهم ، أو كانوا يتكلمون بلغتهم بينهم كما كان اليهود في الجاهلية يفعلون ذلك، ولكنهم كانوا يتحدثون مع العرب بلغتهم .
ولما جاءت الفتنة في عهد عثمان، ولم يكونوا ممن قام بها ، بل قام بها عرب أقحاح يغلب عليهم عدم فهم الإسلام فهما صحيحاً ، لكن السبابجة والزط اشتغلوا في نتائجها وهو الحرب بين علي بن أبي طالب وبين طلحة والزبير وعائشة ، والحرب بين علي ومعاوية ، فكانوا أداة لكل من دعا إلى الغلو ، وكان الغلو إذ ذاك في علي بن أبي طالب و أبنائه من بعده ، فكان التأليه بينهم مستمراً حتى ظهرت الدولة العباسية وتجرأ بعض هؤلاء السبابجة ، وغير السبابجة من الفرس الذين يخفون المزدكية والزرادشتية على إظهار ما عرف في وقتها بأنها حركة الزنادقة التي أطفأها الخليفة المهدي بحملته على كل من تزندق ، فقام هؤلاء الزنادقة درءاً للقتل عن أنفسهم بتأليف كتب في الرد على الزنادقة كهشام بن الحكم ؛ ومن هؤلاء تكون المذهب الشيعي الذي لا يؤله عليها ، وعلى ذلك شواهد عديدة ليس هذا موضع إيرادها .
إلا أننا نقول هنا : إنه قد ظهرت في حقبة الغلو في علي طائفةُ النواصب ،الذين خالفوا الحق ، بعضهم بتكفير علي رضي الله عنه وبعضهم باتهامه بالنفاق ، والبعض الآخر بالإسراف في تخطئته في أفعاله .
لكننا نسينا فئة الناصبة هؤلاء ولم يعد لهم وجود بسبب تغلب أهل السنة الذين يعملون بالحق ويرون عليا أحد الأصحاب الكرام والعشرة المبشرين بالجنة ، ويسكتون عن الخوض فيما وقع بين الصحابة ، ويعذرون معاوية رضي الله عنه في كل ما فعله ، كما يعذرون علياً رضي الله عنه فيما فعله ، ومنهم أي أهل السنة من يصف علياً بالقوة في الحق لكنه ضعيف في سياسة الناس ومعرفة طبائعهم ، لذلك تفرق الناس عنه وقتله من قتله منهم وإنا لله وإنا إليه راجعون .
لكننا وفي هذا العصر الذي عاد فيه الغلو المفرط في علي نَجِد أن النصب ضده وضد آل بيته يعود مجددا ، ومما يؤسف له أنه يعود أيضا في صورة تكفير له آناً واتهام له بالنفاق آنا آخر . وما ذلك إلا لمَّا رأى هؤلاء الناصبة من الغلو في علي غلوا لايحتمله فكر مسلم حق وذلك من جهتين : جهة الشيعة الإيرانيين ومن تبعهم من العرب سواءً أكانوا شيعة أم لا ، حين وصل غلوهم إلى إفساد الأرض في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن ، ثم لمَّا رأو من غلو الصوفيين المحسوبين خطأً على السنة ، من البدع المخلة بالدين والتي ينسبونها زورا وبهتانا إلى علي كرم الله وجهه عما تقول الفئتان .
واستخدم هؤلاء الناصبة بعضَ الأحاديث الصحيحة فيما قالوا ، وهي نصوص لا تجري على ما يريدون إلا بالتكلف في تأويلها ، وكذلك بالتغافل عن أحاديث أكثر بكثير في فضائل علي رضي الله عنه رواها الأئمة المحدثين الكبار .
وكذلك هؤلاء النواصب جهلوا أموراً كثيرة سوف أذكر بعضها هنا .
أولها : أن أحداث فتنة قتل عثمان رضي الله عنه ولا سيما ما كان من علي بن أبي طالب لم تُروَ لنا رواية دقيقة ، وما صح منها لا يبين كيف كانت حياة الناس في المدينة ولا كيف كانت مساكنهم ، كما لا يبين لنا عدد الصحابة إذ ذاك ، وكيف دخل الثوار وهم أربعة آلاف بينهم . كما لا تبين تلك الروايات بشكل واضح أن علي بن أبي طالب رفض الخلافة وأبى أن يتسلمها ، كما رفضها طلحة والزبير ، ثم وجد عليٌ نفسه مُلجأً لها .
كما لم تبين لنا تلك الروايات ما الذي دعا عليا رضي الله عنه للخروج عن المدينة إلى البصرة ، وكل ما تحدثنا الروايات عنه هو أن علياً خرج على غير رضى من ابنه الحسن ، وأن خروجه كان للإصلاح بين الناس بعد أن اتجهت عائشة أم المؤمنين ومن معها إلى البصرة وقصدهم أيضا إصلاح الناس ؛ وقد كان رضي الله عنه متجهاً للقاء معاوية في الشام .
فالحقيقة أن التاريخ لا يعبر لنا بدقة عما كان في ذلك الوقت وإن كانت الروايات كثيرة لكننا بصعوبة كبيرة نستطيع أن نعرف الصحيح منها لاسيما في ظل بلوغ قتلة عثمان عددا ضخما في ذلك الوقت جاوز الأربعة الآلاف وكانوا كلهم من رواة الأخبار غير المؤتمنين ، وكان الأخيار إذ ذاك أهل ورع شديد يمنعهم من الحديث في الشأن العام ، وقد سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (كفى بالمرء كذباً- وفي رواية إثما – أن يُحدِّث بكل ما سمع ) ولهذا كان الصمت هو الأغلب في حياتهم لا سيما عن مثل هذه الأحداث الجليلة مما أتاح لأمثال هؤلاء الخارجين اختلاق الأخبار .
وحين ترى هؤلاء الناصبة لا تجد أنهم يعرفون شيئا عن صلاة علي أو صيامه أو صدقاته كما لا يعرفون شيئاً عن مدى فقره ونّبْذِه للدنيا رغم توفر سبل المال لدية بعد خلافته ، ومحبة رسول الله له ، وقربه من منه ،كل ذلك وغيرها من المناقب لا يكتبونها عنه وهي من الأحوال التي لا تكون لكافر أو منافق .
وبعد هذه الأمور فلنبحث عن مراجع من كبار الصحابة وصغارهم فلا نجد منهم أحداً قلل من شأن علي ، حتى الذين خالفوه ، فلا تجد كلمة من معاوية بن أبي سفيان ثبتت في حديث مسند تنتقص من علي ؛ أما ما رواه مسلم عن معاوية أنه سأل سعد بن أبي وقاص :” ما منعك أن تسب أبا تراب “فقد قال العلماء ليس فيه مسبة لأبي تراب رضي الله عنه ، بل يسأله عن سبب عدم سبه ؛كما أن السب عند العرب الذين معاوية واحد منهم يطلق على ما يسمى اليوم عندنا : النقد ، فمعاوية إذاً يسأل سعدا رضي الله عنهما عن سبب عدم نقده لعلي رغم عدم دخوله معه . وكذلك عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر و وذو الكلاع الحميري وغيرهم من الصحابة ، كلهم أجمعوا على إمامته رضي الله عنه ، فلا شك أن القائل بغير ذلك من الانتقاص لعلي رضي الله عنه مخالف لهذا الجمع العريض ممن نقل إلينا الدين كاملا .
ثم جاء من بعدهم التابعون ، وكان علماؤهم أضعاف الصحابة في العدد ، فلم يُنقل عن أي منهم شيئا من الانتقاص لعلي بن أبي طالب ؛بل أجمعوا على أنه من أئمة الهدى وأعلام الدين ؛ ثم جاء من بعدهم الأئمة الذين جمعو العلم ودونوه وأورثوه للأمة كسفيان الثوري والليث بن سعد وأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وأحمد والشافعي وغيرهم ، أجمعوا على إمامة علي وفضله وسابقته في الإسلام .
فمن أين جاء هؤلاء الناصبة في العصر الحاضر بهذا الفكر ، هل هو جرأة محضة على خيار خلق الله يضاهون بها جرأة الشيعة ، أم جرأة على العلم بحيث إن صغاراً في العلم وإن كان بعضهم شيوخا في العمر ، أصبحوا لا يعرفون حجم ضآلة ماعرفوا مقابل علم جميع الأمة .
إنهم شرذمة نعلم يقينا أنهم من فئة طيبة ، بل هي أطيب أهل الأرض ، فئةُ أهل السنة والجماعة ، لذلك نخشى بزللهم أن يزل أناس هم من رأس مالنا وأبنائنا ، وذلك أنهم رأوا ما رأوا من بعض الأصناف من المتشيعة من غلو ومكر ، وجحود وإنكار لما في التاريخ من ظلم عظيم تعرض له عثمان رضي الله عنه وإنكار بل وتجاهل أيضا لأمجادٍ للمسلمين صنعها
بنو أمية رحمهم الله ، ثم يجدون تغافلاً في مقابل ذلك عما كان من أخطاء لعلي أو ما تسرده مرويات المؤرخين وكأنه أخطاء لعلي ، فما يكون منهم إلا تهويل لما نسب لعلي ووصفه بالنفاق أو الكفر ، ووصف بني أمية بالنزاهة والصرامة وكأنهم هم المعصومون لا من غالى فيهم أولئك من ذرية علي .
والصواب أن تستحضر العقلية المتوازنة والتي مثلها لنا ابن تيمية رحمه الله ، والتي تدعو إلى محبة علي وموالاته ، موالاة أعظم من موالاة المتشيعة لأنها تقوم على ما في كتاب الله وسنة نبيه ، كما تحب ملوك بني أمية وتثني على ما فيهم من خير جم، ولا تتبع فيهم القصص والأسمار .















![بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات[محاضرة مفرغة]](https://i1.wp.com/mohamadalsaidi.com/wp-content/uploads/2020/06/EE3D1CE0-F756-4577-B03E-79D00D1B6105-e1591160555879.jpeg?fit=300%2C200&ssl=1)




![الثقافة بين الثوابت والمتغيرات [ورقة عمل]](https://i1.wp.com/mohamadalsaidi.com/wp-content/uploads/2016/05/image-3-e1462922547584.jpeg?fit=300%2C300&ssl=1)
التعليقات