حلب والموصل والمستنقع والبعوض

تكبير الخط تصغير الخط

يقف العالم أجمع والعالم الإسلامي بشكل خاص في انتظار مأساتين عظيمتين دون أن نجد أي تحرك إسلامي أو عالمي في اتجاه منع وقوعهما أو الحد من أضرارهما على الأقل .
المأساة الأولى : تدمير حلب من قِبَل نظام بشار وحلفائه الإيرانيين والروس ، والأخرى : اجتياح الموصل من قبل ما يسمى بالحشد الشعبي وتكرارهم لما فعلوه بأهل السنة من فضائع في كل المدن والقرى التي مرت بسيناريوا محاربة داعش من خانقين حتى الفلوجة .
هناك الكثيرون يقولون : إن الحالة قد وصلت إلى مستوى لم نعد قادرين فيه على أن نصنع شيئاً ، فالحلقة حول سنة العراق في غاية الإحكام ، إذ القوة العسكرية السنية تم القضاء عليها من قِبَل من كانوا يُسمون أنفسهم دولة العراق الإسلامية التي احتكرت الإسلام وبدلاً من أن تتعاون مع جميع تشكيلات المقاومة الإسلامية أو العشائرية أو الوطنية ضد المشروع الأمريكي والصفوي في العراق ، قامت بتصفية كل من يقاوم الاحتلال الأمريكي والإيراني مالم يكن داخلاً تحت إمرتها ، واعتبرت الجميع خونة وعملاء ، وبالفعل هَيَّأ لها الأمريكيون والإيرانيون جميع الأجواء المناسبة لتقوم بإراحتهم من أعدائهم ، فلما انتهت مهمة هذه الدولة المزعومة بالنسبة للمحتلين قاموا بضربها وتحريض الموتورين من أهل السنة من فعلاتها القبيحة على المشاركة في قتالها فيما عُرِفَ فيما بعد بالصحوات .
فالمقاومة العراقية السنية موؤدة منذ ذلك الحين ، وحتى لما أرادت أن تتنفس الصعداء وتنهض فيما عُرِف باعتصام الأنبار جاءت داعش بأعلامها وسياراتها لتفض ذلك الاعتصام الذي استمر عاماً كاملاً وتنقذ حكومة المالكي من النتائج الإيجابية المنتظرة لذلك الاعتصام وفي الوقت المناسب .
والدول السنية القادرة على دعم السنة أُغْلِقَت في وجهها كل الطرق لدعم السنة عسكرياً ، فأولاً لم يعد هناك كتائب على السطح يمكنها الاستفادة من العون العسكري ، وثانياً داعش التي تزعم أنها سنية هي من تقف في طريق وصول أي سلاح لسنة العراق ، بل هي في كل المناطق التي كانت فيها عملت على نزع السلاح من أي مقاومة سنية ولو ضعيفة لا تنتسب إليها .
الواضح حقاً : أن السنة في الموصل لم يعد أمامهم سوى النزوح أو مواجهة مصيرهم على يد الحشد الشعبي لأن داعش لن تصنع لهم إلا كما صنعت لأهل تكريت والفوجة مثلاً بمثل سواء بسواء.
بقي الجيش التركي المتمركز حالياً قريباً من الموصل في أعداد قليلة غير قادرة على مواجهة الحشد الشعبي لمنعه من أي تجاوز على البلاد والعباد بعد خروج داعش .
أما حلب ، فقد يقول القائل : إن الكتائب المدافعة عنها في مواجهة النظام وحلفائه حقاً قادرة على الصمود إذا تم دعمها بكثافة لكنه صمود استنزاف لا يحسم المعركة بل يطيلها فقط ، وهذا النوع ليس في صالح أحد سوى الأطراف المتفرجة ، والمستفيدة من هذا الصراع وعلى رأسها العدو الصهيوني .
المؤسف حقاً أن كل ما تقدم صحيح ، والمؤسف أكثر أنه ليس كل ما في الصورة ، فالمشهد أكثر تعقيداً وأسوأ من ذلك بكثير ، لكن هل يعني هذا أنه لم يعد بالإمكان عمل شئ ، وأن ما علينا سوى انتظار الأخبار ، ومتى ستخرج داعش من الموصل كما خرجت من قبل من جميع المدن والقرى العراقية التي زعمت أنها احتلتها ليدخل الحشد الشعبي ويهجر أهل السنة العراقيين من أكبر عواصمهم في العراق استكمالاً لتغيير التركيبة السكانية في العراق كله لصالح المشروع الإيراني ؛ وهل علينا أن نبقى نعد القتلى في حلب من كلا الطرفين ؛ قُتِل اليوم من جنود النظام عشرون وقتل أمس من المجاهدين عشرة ؛ هل نبقى ليس في أيدينا غيرُ ذلك ؟

الجواب فيما يظهر لي نستفيده من قصة البعوض والمستنقع ، فأنت حينما تحارب البعوض قي أماكن تواجده ، فلن ينقضي البعوض ولن تنتهي أماكن تواجده ، بل كلما حاربته في جهة ستجده في جهة أُخرى أو جهات متعددة ، لذلك عليك أن تتجه إلى المستنقع حيث تلقي إناث البعوض بيضها وتقوم بدفنه ، هنالك لن تلبث حتى يسقط البعوض من تلقاء نفسه إينما توجه .
آن الأوان لنعلم جيداً أن المستنقع الذي تتولد منه كل الشرور المحيطة بنا في العراق والشام واليمن هو إيران ، وإن لم تعمل دول الخليج والعالم العربي والإسلامي على إسقاط نظامها ، فلن تنتهي جيوش البعوض المنطلقة منها ، وإذا كنا نواجهها اليوم في ثلاث دول ، فلعل الأيام المقبلة سترينا أسرابها في مصر أو السودان أو عمان ، بل ربما نراها في تركياً أو في داخل بلداننا الخليجية نفسها .
ولكن كيف يكون ذلك ، وماهي أسرع السبل لإسقاط النظام الإيراني ؟
الجواب : يجب أن تعمل دول الخليج بجدية لإعادة الحصار على إيران وأن تستخدم ما تبقى لها من ثقل دولي في عزلها عن العالم ؛ إننا نأسف كثيراً حينما نكتشف أن أغنى ثلاث دول خليجية ، قطر -الكويت- الإمارات، لاتزال لها تعاملات اقتصادية من تحت الطاولة ومن فوقها مع إيران ، وكأن هذه الدول تتصور : أن حقيقة الصراع في المنطقة إنما هو بين السعودية وإيران ، وأن لعبها على الحبلين يضمن لها خيارات جيدة فيما لو كانت النهاية لصالح إيران أو كانت لصالح السعودية ؛ إن هذا الموقف المنافق لا يُمكن أن يعبر عن دعاوى الأخوة والمصير الواحد التي طالما رددها زعماء الخليج في كلماتهم الافتتاحية والختامية في ققم التعاون الخليجي .
ويجب أن توقِن تركيا أنها كانت مُذْنِبة في حق دينها وأمتها الإسلامية حين اشتغلت لمدة عشر سنوات كرئة تتنفس منها إيران إبان الحصار الاقتصادي والعقوبات الدولية التي فُرِضَت عليها ، وأنها باستمرار علاقاتها المتعددة ، التجارية والصناعية والزراعية والثقافية مع إيران تُسَوِّد كل صفحة بيضاء حاولت فتحها في العلاقات الإسلامية التركية .
وإذا كان الرئيس التركي وصف أي لقاء مفترض بينه وبين الرئيس السيسي بأنه غير أخلاقي ، فإننا نصف جميع اللقاءات التي تمت وتتم بين الرئيس التركي والإيراني أو بين أي مسؤول تركي بأي مسؤول إيراني بأنه لقاء إجرامي في حق الأمة والدين ، لاسيما وتركيا ليست مضطرة اقتصادياً لهذه العلاقات الآثمة .
يجب على دول الخليج مجتمعة وتركيا لا أن يقاطعوا إيران وحسب ، بل عليهم أن يقايضوا مجتمعين علاقاتهم التجارية والعسكرية بينهم وبين الصين والهند والباكستان ودول شرق آسيا ودول شرق أوربا والاتحاد الأوربي بعلاقات تلك الدول بإيران .
إعلان مثل هذا التضامن ضد إيران يجب أن يكون عاجلاً ، وإن أي خسارة اقتصادية يحققها هذا التضامن بين هذه الدول ضد إيران أهون بكثير من الخسائر الأكثر فداحة لو نجح المشروع الإيراني الصهيوني في تحقيق مآربه في المنطقة .
نعم : إن مستنقع طهران يجب أن يدفن وإن مثل هذا التحالف الاقتصادي لو تم بجدية ودون نفاق وانتهازية سيشكل أول وأكبر رتل من أرتال عربات الدفن التي ستقضي حتماً على أقذر وأخطر مرض أصاب أمة الإسلام بعد انتهاء فترة الاحتلال العسكري الأوربي للعالم الإسلامي والذي انتهى قبل عقود .

د محمد السعيدي

التعليقات

8 ردود على “حلب والموصل والمستنقع والبعوض”

  1. جزاك الله خير يا د.محمد فهم رائع للازمة وإدراك كبير للواقع ،
    ونتمنى لو يكون هناك مبادرة من علماء الأمة الإسلامية والعربية خاصة توجه للحكومات المعنية ، يتم من خلالها طرح مثل هذه الأمور والحلول وطرح هذه المبادرة اعلاميا” بشكل قوي ، وانت أهل لأن تقود مثل هذه المبادرة يا شيخ محمد .

  2. يقول غير معروف:

    من انجع الوسائل لتحجيم ايران او اسقاطها هو دعم شعوبها الثائرة عسكريا كالبلوش والاكراد او سياسيا كالاذر والتركمان او كليهما كالاحواز وعدد الشعوب في ايران ذوات الدعاوى ضد الهيمنة الفارسية عشرة بين سنة وهم الغالب وشيعة غير الفرس والمقصود ان تعامل ايران بنفس طريقة تعاملها مع الاخرين .

  3. يقول غير معروف:

    نعم حقيقة رؤيه ثاقبه ونظره تنم عن متابع يقظ وغيور على الدين الاسلامي ان الاوان ان تجتمع الكلمه وتلتم الجهود لردع هؤلاء الاعداء الذين هم الان اشد خطرا على الامه سائلا الله ان يكفينا شرورهم ويرد كيدهم في نحورهم ويجعل تدبيرهم في تدميرهم كما اساله جل في علاه ان ينفع بما كتبه وسطره د. محمد السعيدي ويجمعه بمن يحب بالفردوس الاعلى

  4. يقول السهيمي:

    بارك الله فيك ياشيخنا و لقد والله محضت النصح وصدقت فيه وأسأل الله ان يكتب لكلماتك القبول عند من ولاه الله أمر المسليمن قبل أن يقع المحذور

  5. يقول غير معروف:

    بارك الله فيك ولكن لماذا لا تتحركون على كافة الأصعدة لأن التسونامي القادم لا يدع شيئا أمامه إلا ودمرته كما قلت مكمن العلة في إيران وكل الحلول الترقيعية لا ينفع أهل السنة في المنطقة لماذا لا يعقد قمة خليجية تركية باكستانية على عجل لإنقاذ الموقف أو يشكل قوة حقيقية من الشباب السني من دول المنطقة لمواجهة تلك المشروع الفارسي والأجواء مهيئة لذلك

  6. لا فض فوك يا دكتور محمد

  7. صدقت يادكتور محمد والنداء الآن أن يتم دعم كل الفصائل المقاومة
    لنظام الملالي حتى من الشيعة أنفسهم ممن يختلف مع نظام الملالي الذي استغل الحرب العراقية الايرانية في تصفية خصومة من مراجع الشيعة الكبار – وحكومة الملالي عدو مجنون – تدعمه روسيا الأرثوذوكسية ( الصليبية ) – وهي تحاول إظهار رسالتها أنها اقوى من خصومها الطائفيين تاريخيا ( الكاثوليك ) ممثلة في الفاتيكان والدول المتدينة بهذه الديانة – والبروتستانت وعلى راسها الواليات المتحدة
    وان ادعت هذه الحكومات العلمانية ولكنها في النهاية تدار بأيدي متدينة ( والصهيونية ) مرتبطة بالعهد القديم والعهد الجديد وهي الصق بعقيدة البروتستانت – لا عقيدة الارثوذكس ومنهم اقباط مصر ولعل لهم قوة في التاثير في القرار الروسي –
    ونعود لإيران – حكومة الملالي خليط – من أعراق شتى والفرس كعرق يكاد يكون انتهى ولا سلطة له – وخوميني من عرق هندي – وخامنئي من عرق طاجيكي – وهم يتغنون بالفرس – وفي نفس الوقت الادعاء انهم من نسل الحسين بن علي أي أنهم من جذور عربية – وهنا ملحظ وهو احتكار الاسلام بزعم انهم على مذهب آل البيت واحتكار العروبة كونهم من نسل الحسين واحتكار السياسة لكونها يجب ان تكون بيد الولي الفقيه ( على المسلمين فقط )
    ولديهم سلطة جبارة على اتباعهم اذ من لم يؤمن بالولاية الكبرى لعلي وخلاصتها انه رب مدبر على هذا الكون وإلا سيكفر تابعهم ان تركها وهي عين الشرك والكفر والوثينة والالحاد – ويتبعها دفع الخمس من المال – ويعني هذا ولاء مطلق بلا حدود لكل تابع لهم ومن زعم خلاف ذلك فهو يكذب وتصديقه محض جهل وغفلة – وايران كتكوين تنقسم لعدة اعراق ومذاهب واديان – ولايكفي لتفتيت ايران دعم مريم رجوي وجماعتها – هناك البلوش حسب قبائلهم وتفرعاتهم وسنتهم وشيعتهم – وهناك الاحوازيين السنة والشيعة – وكذلك عرب الساحل والتركمان والاكراد والايزيدية واليهود والمجوس والصفوية بنسختها القديمة لأن صفوية الخوميني نسخة معدله من الصفوية تتفق والوقت الحاضر وتم تفريخها في معامل اوروبية ولكن السحر انقلب على الساحر … الخ
    والله اعلم

  8. يقول د التميمي:

    رأي رشيد وقول سديد وخارطة طريق …اللهم يسر من ينفذها
    وايقظ النيام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.