مرافعة سعودية في تاريخ الحرب على نظام الملالي

تكبير الخط تصغير الخط
في سياقات الأحاديث الكثيرة التي دارت ولازالت تدور حول القمم الثلاث التي دعت إليها وترأستها المملكة العربية السعودية أعزها الله ، كان الكلام عن إيران وآثارها السيئة في المنطقة والعالم هو الأنشط في مجالس الناس بمختلف طبقاتهم .
وفي خضم تلك الأحاديث ولاسيما في الوسائط الإلكترونية ، حيث المتابعون والمشاركون من بلادٍ شتى لا تفتؤ تستمع من يطالب السعودية بأن تلوم نفسها بدلاً من لوم إيران ، التي في زعم هؤلاء عملت كل تلك السنوات بما يؤدي إلى مصلحتها وما يمليه عليه مذهبها الديني ، ومن يجتهد لمصلحته وخدمة معتقده لا يُلام ، في حين لم يكن للسعودية مشروع تعمل عليه ،وتركت المجال فارغا فشغلته إيران ، فعلى من أهمل وترك الأمر لها أن يلوم نفسه لا أن يلومها ، وعليه أيضا أن يتحمل مسؤوليته أمام التاريخ وأمام تلك الشعوب التي ساهم بضياعها حين ترك الساحة لإيران وحدها تعبث فيها كيف تشاء .
هذا جانب من الطرح الذي يدور على اختلاف العبارات بين كاتب أو متحدث وآخر ؛ وشيوعه يدل على غبش عن حقيقة الواقع لدى البعض وتقصد للإساءة وتشويه السياسة السعودية قديمها وحديثها لدى الآخرين ؛ وهو كذلك داخل في حملة الهروب من تحمل المسؤولية عن الأخطاء الشنيعة التي وقعت فيها الشعوب والجماعات والأحزاب وتعليقها على مشجب السعودية ، فمن طبيعة الفاشل الذي يأنف من الاعتراف بفشله والاعتذار عنه أن يعلق أخطاءه على غيره فذلك هو أقرب منافذ الهروب من مواجهة المسؤولية وأيسرها ، لاسيما لدى من يحملون كمَّاً كبيراً من أخلاط مشاعر الحقد والحسد والكبر .
والجواب الجامع لمثل هذه الأطروحات طويل جداً ولا يستوعبه مقال ، لكنني سأقتصر على إشارات يستغني بها اللبيب ، فنحن حقا لا ينبغي أن نلوم إيران لأن لللوم عند الكرام زمن ينتهي عنده ، ويبدأ بعده زمن المفاصلة وهو هذا الزمن الذي نعيشه .
لكننا بكل اعتداد بالحق الذي نحمله لن نلوم أنفسنا لأننا ولله الحمد لم نتخل عن قليل أو كثير من واجباتنا تجاه الدول العربية والإسلامية قدر الوسع والاستطاعة طيلة الأربعين سنة الماضية منذ قامت الثورة الخمينية في إيران وحتى يومنا الراهن ؛ أما ما سوى ذلك فلن نكون بعون الله مسؤولين عنه من أجل أخطاء الآخرين وجنايتهم على أنفسهم وعلى شعوبهم ؛ ولسنا مطالبين شرعاً ولا مرؤة ، بعد أن نؤدي واجبنا من العون والنصح أن نجابِه العالم ونستنزف أنفسنا وقدراتنا ونُعَرِّض بلادنا وشعبنا ومكتسباتنا للمخاطر الجسام من أجل من لم يُثَمِّن نصائحنا ويحفظ جنابنا ويعطينا حقنا من الوفاء والود وحسن الجوار ؛ وليس من المصلحة ، لا لنا ، ولا للإسلام والمسلمين ، أن نسعى في إهلاك أنفسنا من أجل أن إخواننا سعوا في إهلاك أنفسهم بعد أن بذلنا كامل وسعنا للحيلولة بينهم وبين ما فعلوه.
إن التاريخ منذ أربعين عاما يتلخص في أن العالم الإسلامي والعربي منه بشكل أخص يعيش اليوم أزمات خطيرة كان المسلمون دولاً وجماعات وأحزاب هم من شد حبالها حول نفسه ، ولم يقف في وجه ذلك سوى المملكة العربية السعودية التي لا يمكن توجيه اللوم إليها لأن دول العالم الإسلامي والجماعات الإسلامية لم تُطعها.
حدث الانقلاب الصفوي في إيران فكنا ممثَّلين بدولتنا وعلمائنا أول من حذر منه وأدرك عمق عداواته ومآلات فكره ، وحاولنا كَفَّ شره عن الأمة بمضمون قوله تعالى﴿ادفَع بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ السَّيِّئَةَ نَحنُ أَعلَمُ بِما يَصِفونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]لكنه أبا إلا عداوة صراحاً أوضح من الشمس في رائعة النهار ، ومع ذلك طار إليه الإخوان المسلمون واجتهدوا في تزيينه للناس بمؤتمرات التقارب التي كانت تنظمها إيران ولم يكن لها من ثمرة سوى فتح المجال أمام فِرَق التشييع ونشر الفكر الصفوي في العالم العربي والإسلامي ؛ لكن الإخوان المسلمين خادعوا الناس به ولا زالو حتى يوم الناس هذا يخادعون الناس به بالرغم من كل ما شاهده العالم بأسره من عدوان هذا النظام على الشعوب المسلمة في إيران نفسها ،وفي العراق وسوريا ولبنان واليمن فلا زالوا متعلقين به غير ميالين إلى الاستفادة من تجاربهم معه ، لكننا نحن لا زلنا نؤكد صادقين أن ما يقومون به خُدعة وغش للإسلام والمسلمين.
أما حزب البعث العراقي وعلى راسه صدام ، فقد وقفت بلادنا معه في حربه ضد نظام الخميني بالرغم من عدم رضا السعودية عن بدء الحرب ؛ لكنها حين بدأت أدركت قيادة المملكة أن نصرة العراق بالرغم من الخلاف العقائدي مع حزب البعث هو واجب الوقت تجاه المشروع الصفوي.
لكن صدام حسين بعد انتهاء الحرب نهاية قليلة الإيجابية أدخل المنطقة في نفق مظلم وجعل نفسه وبلاده في مواجهة الغرب والشرق ؛ واضطر جيرانه وحلفاءه في مواجهة إيران لأن يكونوا في مواجهته هو حين قلب لهم ظهور المجان واحتل الكويت وهدد السعودية ، وسلم لإيران طائراته الحربية التي اشتراها بأموال الدول التي دعمته في حرب الثمانية أعوام كما سلم لها الأرض التي حارب وبذل الدماء والأموال من أجلها ؛وعلى الرغم من سوء صنيعه بنا نحن أخلص جيرانه له فإننا دولة وشعباً لم نؤيد مقدار كلمة ولا قدر لحظة النخب العراقية من علمانيي أبناء السنة وصفويي الشيعة حينما جلبوا أمريكا من جهة وإيران من جهة لإسقاط صدام الذي تعامل مع شعبه ومع العالم بكبرياء وغطرسة لا تتناسب أبداً ومقتضيات السياسةِ وفهمِ الموازين الدولية ، ومع أغلاطه الجسيمة إلا أن الحل لم يكن في تعريض العراق للاحتلال ودعم المحتل الأمريكي.
لذلك كانت السعودية في منأى بنفسها عن هذه الجريمة ، فهي عاجزة عن منع الولايات المتحدة مما تريد وعاجزة عن تغيير عقلية صدَّام وطريقته في إدارة السياسة الخارجية لبلاده فاكتفت بالبعد عن التدخل في هذا الأمر .
لكن قطر جعلت من أراضيها، السيلية والعديد، قاعدتين لانطلاق الطائرات والصواريخ والسفن الأمريكية ضد العراق
؛ أما تركيا فجعلت من قاعدة إنجرليك مرصداً للحظر الجوي على العراق طيلة مدة الحصار عليه ثم منطلقا من منطلقات القوات الجوية لتنفيذ احتلاله .
وبالرغم مما جناه نظام صدام حسين علينا لم تنطلق من عندنا بعد تحرير الكويت طائرة ضده ولم تشارك بلادنا في تأييد احتلاله كما فعلت قطر وتركيا اللتان كان إعلامهما يُصِم الآذان دفاعاً عن العراق وفضحاً للحرب الأمريكية ضده في حين كانت الطائرات التي غطت هذا الاحتلال وهيأت له بذلك الحصار الطويل تنطلق منهما .
أماالنخب من الشعوب العربية التي لم تلتفت لهذه المفارقة وأخذت في تصديق دعايات سوء كانت تلصقها قناة الجزيرة وأبواق القوميين والحزبيين بالسعودية دون أن يقدموا أدنى دليل على ما يأفكون وحقيقة الأمر أن بلادنا مِن بعد تحرير الكويت بسنوات قلائل لم يعد للقوات الأمريكية فيها أي وجود ، بل كانت هدفاً لتآمر أمريكي لتقسيمها وإضعافها أو إسقاطها كلياً مستخدمين الجماعات الإرهابية والإعلام القطري وسيلة لذلك ، وكان توفيق الله تعالى ثم حكمة ولاة الأمر وولاء الشعب السعودي لدينه ووطنه وقيادته حائلا دون نجاح تلك المخططات ، ومع ذلك لا يستحون من رمي السعودية بالانصياع لأمريكا ويتبجحون بتقديس الدول التي جعلت من أراضيها قواعد للجيش الأمريكي ، ومن المؤسف أنه بالرغم من انكشاف تلك المؤامرة على السعودية لم تقف هذه النخب المثقفة والجماعات الإسلامية مع السعودية مع أن ذلك هو المنسجم مع ما تدعيه من مبادئ عروبية أو حقوقية أو دينية لكنها وقفت موقفاً مناوئاً لبلادنا منطلقه الحقد غير المبرر .
نعم قامت الولايات المتحدة باحتلال العراق ولم نكن مسؤلين من أجل أخطاء قيادة العراق وأخطاء نخب العراق أن نغامر ببلادنا في حرب مع أقوى جيوش العالم ، بعد أن قامت بلادنا على المستوى السياسي بتحذير قيادة العراق وجيشه من مغبة سياستهم السيئة.
وسلمت أمريكا العراقَ لإيران ولم يكن ذلك ليكون لولا تعاون الأحزاب الشيعية العراقية مع الإدارة الأمريكية وتفرق كلمة أهل السنة في العراق تفرقاً أفقدهم القدرة على التعامل الصائب مع الوضع الجديد وزرع بينهم العداوات التي جعلتهم يخسرون العديد من الفرص التي تمثلت لهم وأضاعوها بأيديهم .
وفي هذا الظرف الحرج لم تتخل السعودية عن محاولة إنقاذهم فدعمت إعلامياً أقرب القوائم الانتخابية لتمثيل السنة وإن كان رئيسها شيعيا وهو إياد علاوي ، وربما كانت قد دعمتها مادياً وهذا هو المشهور بين العراقيين ، وأدى هذا الدعم إلى فوز تلك القائمة بالانتخابات واستحقاق رئيسها لتولي منصب رئاسة الوزراء لكن الانقلاب الأمريكي المُمَكِّن لإيران وعدم وقوف السنة ومعتدلي الشيعة موقفاً موحداً أدى لتفويز وليس فوز نوري المالكي برئاسة الوزراء ، وهو الرجل الطائفي الذي بلغت الجرائم الطائفية في العراق في زمنه مالم تبلغه في الشام زمن الحروف الصليبية ، لذلك كان موقف السعودية منه صارماً بلغ حد رفض استقباله في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الرياض عام ١٤٣٥هـ. ، وقدمت السعودية أقصى ما تستطيع من أجل العراق وهو الدعم المالي الذي قدمته وحثت غيرها عليه للشعب عبر المنظمات الدولية وليس عبر الحكومة الفاسدة ، نعم لم تكن المنظمات الدولية موفقة بالكامل في إفادة الشعب العراقي لكنها كانت الطريق الوحيد الآمن وفق القانون الدولي الذي لا يمكن للسعودية تجاوزه بسبب ظرفها السياسي الحرج ومعاناة مؤسساتها بعد أحداث ١١/ ٩ التي ارتكبها مجرمون باسم الدين ثم تحملت السعودية ومشاريعها الدعوية والإغاثية نتائجها السلبية ، ولم يكن لديها أقصى من ذلك في ظل الحكم المشترك بين أمريكا وإيران ممثلاً بنوري المالكي .
وبعد رحيل الاحتلال وتغير حكومة المالكي إلى حكومة أقل سوءًا بدأت السعودية تدخل إلى العراق ، ولا زالت تحاول شيئا فشيئا أن تقترب من العراقيين لتحرل بينهم وبين الأخطبوت الإيراني .
وفي سوريا أخطأ الشعب السوري وتعجل في ثورة ليس لها قائد واحد ولا هدف واحد ، وأخطأ الثوار حينما تفرقوا إلى جماعات تقاتل بعضها وتكفر بعضها وجعلوا من أنفسهم مرتعا للمخابرات الإيرانية والروسية تحركهم وتلعب بهم .
لا نلوم أنفسنا حين وقفت بلادنا في حياد من الثورة بادئ الأمر ، لأنها تعلم مآلاتها ، فهي ثورة ضد نظام مغروس لحماية الكيان الصهيوني وستقف كل الدول الكبرى معه في الحقيقة وإن زعمت خلاف ذلك في الظاهر ، هذا ما كانت تدركه السعودية وهو ما شهدناه واقعاً ؛ ثم لمَّا دخل السوريون في عنق الزجاجة ولم يعد بد من أحد خيارين إما الوقوف مع النظام الظالم القاتل وإما الوقوف مع الشعب ، وقفت دولتنا مع الشعب ، لكنها كانت تتوجس أن يحصل في سوريا ما حصل في أفغانستان حين كانت الفصائل متعددة ، لذا رأت الحكومة السعودية دعم فصيل واحد، وقالت للجميع اتحدوا معه وانضموا إليه وندعمكم ، لسنا من الغباء بحيث ندعم جميع الفصائل كما صنعت جمعياتنا الإغاثية في أفغانستان .
لا نلوم أنفسنا لأن حكومتنا قالت لهم ذلك ؛ بل نلومهم لأنهم رفضوا ، وكَفَّروا الجيش الحر وجيش الإسلام وكفروا ليس لشيء إلا لأن السعودية تدعمه كما قالوا .
ليست حكومتنا مخطئة حين حجزت ومنعت الدعم الذي كان يذهب من جيوبنا لتتسلمه داعش والنصرة اللتان تعاديان بلادنا جهاراً نهارا.
وبالرغم مما حصل من تكالب أكثر الفصائل وشرها النصرة وداعش ضد الفصائل الأخرى وحصول الدماء بين الثوار وتكفير أكثر الفصائل للسعودية ومن تعاون معها إلا أننا ممثلين في حكومتنا جمعنا الفصائل الكبرى في الرياض وجعلناهم يوقعون اتفاقا ، وقلنا لهم إيران وروسيا ليستا شريكتين في الحل .لكن الفصائل غدرت بالدولة الصادقة معها وأطاعوا أردوغان وتركوا الاتفاق الذي وقعوا عليه في الرياض ليجلبهم السلطان الأعظم والخاقان الأفخم إلى اتفاق إستانة الذي ترعاه موسكو وطهران !
أليس من خذلان الله لهم أن صدقوا أن إيران وروسيا سوف ينفعونهم !؟
ماذا نفعل لهم حينما جمعناهم ليصنعوا النصر بأيديهم وتركونا إلى اتفاق يصنعه لهم من يقتلهم .
إن الثوار السوريين غدروا بالسعودية وذهبت بهم تركيا إلى أحضان إيران وموسكو ؛ ومع ذلك يقال إن السعودية هي التي تخلت وتركت ..!
أما تركيا التي جمعتهم مع قاتليهم واستغلتهم في مسرحية توسيع حدودها الجنوبية دون أن تقدم لهم نصراً واحداً ، فإننا نرى الثوار وإعلامهم يُدارُون فشلهم معها وخطأهم في اختيار خيارها بتحميل السعودية أخطاءهم والتنصل منها .
السعودية اليوم وحدها حقاً في مواجهة المشروع الإيراني ليس معها إلا الله ؛ حتى الثوار السوريون الذين تقتلهم إيران ليسوا معها ، وهي تعمل اليوم جادة لجلب القوى العظمى إلى صفها فيما تعمل تركيا وقطر والجماعات الحزبية الإسلامية إلى جلب القوى العظمى إلى صف إيران {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}
د.محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

3 ردود على “مرافعة سعودية في تاريخ الحرب على نظام الملالي”

  1. يقول ابوتركي:

    شيخنا الكريم السلام عليكم
    حرم الله يديك عن النار على هذه الأسطر و الكلمات التي براءت نفسك بها عند الآه و أصبت كبد الحقيقة واوضحت الخافي ونصرت دولتنا و وولاة امرنا وشعبنا بهذا ..
    شكراً بحجم مانصرة به كلماتك هذا الدولة التي نصرت الدين ومازالت ، وتسعى لتلملم جراح الامه و شتاتها..
    اللهم انصر جنودنا المرابطين على ثغورنا ضد كل متربص لبلاد الحرمين واعز ولاة امورنا وأرفع بهم هذا الدين.

  2. يقول فهد:

    الله ينصرك وينصر دينك يادكتور، ويجزاك عنا وعن المسلمين خيرا على هذه المقالات الموفقه
    وإنني أقول “فكما أن السعودية ظلت وحدها في مواجهة المشروع الإيراني، فأنت وحدك ومع قلائل واقف في مواجهة المشروع الإيراني والموالين له”
    نصرك الله
    وأيدك
    وجعل ذلك في ميزان حسناتك
    آمين

  3. يقول سمير النجار:

    الحمدلله الذي شرفني ان من اهل هذا البلد العظيم المبارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.