سلاح الكذب في مواجهةالسلفية ، قاعدة ومثال.

تكبير الخط تصغير الخط

الكذب بمعناه العام الواسع هو ذِكْر ما يخالف الواقع سواء أكان هذا الذِّكْرُ عن علم بمخالفته أم عن جهل أو استنتاجٍ قاصرٍ أم تقليدٍ للغير ، فكله مذموم فاعله ، فالكاذب لاسيما العلمي المتعمدِ لا نقاش ولا اختلاف فيه ، وأما من كذب عن جهل أو غير ذلك من الأسباب فلا عذر له في الحديث عمَّا لم يستوفِ علمه لأنه حتماً سيقع في ظلم الغير والتلبيس على الآخرين ، ورُبَّما أفضى كَذِبُه إلى فتن لا تُحمد عقباها . وفي سِجال العقائد والأفكار ، يُسَمُّون النوع الثاني من  الكذب المغالطة وذلك تأدباً منهم مع المخالف وهو ما سننتهجه في هذا المقال ، وأغلب ما تكون المغالطة عند الفرقة الأضعف في مستندها الاستدلالي ، النصي والعقلي ، وحينما نلتفت إلى ما تُواجَه به السلفية منهجاً وتاريخاً وقيادات علمية وتاريخية ، نجد الأمرين من الكذب هما الطابع العام للغالبية الساحقة من دعاوى المناوئين 

 وإن وُجِد معهم قليل من الحق الذي هو في العادة المادة التي يُرَوَّج بها للباطل .

وبالطبع لن أستعرض في هذا المقال جميع دعاوى المناوئين للسلفية ، وقَد أُلِّف فيها ولله الحمد كُتب  قيمة كما هي عادة أهل الحق في عدم التهاون في الدفاع عنه ، لكنني سأقتصر على درس مذاع على برنامج يوتيوب للدكتور صلاح أبو الحاج عميد كلية الفقه بجامعة العلوم الإسلامية في المملكة الأردنية ، عنوانه :”عبث المدرسة السلفية في الحديث والتفقه” أجعله كمثال صارخ لهذه القاعدة فالدكتور يُظهِر فيه جُرْأةً هي المعتادة من دعاة الابتداع في الافتراء على السلفية بقصد تشويهها وحسب وليس بقصد الدعوة أو التصحيح العلمي .

ومهم قبل البدء في التفصيل أن نفهم نفسية الدكتور صلاح قبل  بيان ما تضمنته محاضرته من المغالطات أحب أن نقف على أن الرجل للأسف حاقد على المدرسة السلفية لدرجة أنه يضعهم هم واليهود في سياق واحد ويطالب الأمة بالانتشار للقضاء عليهم ومحو أثرهم ، وليس له فيما أعلم حديث عن الفرق الإسلامية المتفق على ضلالها يوازي حديثه هذا عن السلفية .

في درسه محل النظر هنا ، يزعم أن أهل التشدد -وهم  السلفيون برأيه- لا يعون المسلمات الأولية في الدين ، وحجم هذه التهمة تدركه حين تدرك ما هي المسلمات الأولية في الدين ؛ إنها أركان الإسلام والإيمان وتوحيد الله تعالى وأركان الفرائض ومصادر الشرع ، فهذه هي مسلمات الدين لا غير ، فحين تزعم أن فلانا من الناس يجهل مسلمات الدين  فلا معنى له إلا أنه يجهل هذه الأمور التي لا يُعَدُّ من جهلها مُسْلما، وهو يزعم أن السلفيين يجهلونها .

ثم ذكر أنهم جاءو للتشويش على الدين ، ويجمعون الأحاديث التي أجمعت الأمة على تركها ليُكَوِّنُوا منها ديناً جديداً!

واضح أن هذه المقدمة من التكفير المبطن تجعل المستمع للمحاضرة ينتظر أمثلة صارخة بحجم هذه المقدمة ككون السلفيين يستغيثون بغير الله ، أو ينذرون ويذبحون للأضرحة من دون الله ، أو ينكرون ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات في كتابه وسنة رسوله ، أو غيرها من البدع والخرافات التي تتنافى مع أُصول الإيمان أو أركان الإسلام مثل هذه الأمثلة هي ما سينتظره المتابع لهذا الدرس بعد تلك المقدمة ؛لكنه سيفاجأ بأن الأمثلة  لا تعدوا أن تكون إما خلافاً في مسألة فقهية شديدة الفرعية مستند المخالِف فيها حديث صحيح عنده ، وإما أن تكون رأياً شاذاً في مسألة فروعية يسيرة ، والأقوال الشاذة موجودة في جميع المذاهب ، وفي المذهب الحنفي الذي يُقَلِّده الدكتور ويتعصب له ، ولم يتعامل أحد من علماء الأمة مع الأقوال الشاذة في الفروع الفقهية على أنها اختراع دين جديد أو أنها جهل بالمُسَلَّمات.

المثال الأول : تحريك الأصبع في التشهد في الصلاة ويسميه الدكتور لعباً ويزعم أن الأمة قد تركت الحديث الوارد فيه وعملت على خلافه !

أي أن جهل السلفيين بمسلمات الدين وتكوينهم ديناً جديداً أبرز أمثلته أنهم عملوا بحديث لرسول الله لم تعمل الأمة به في زعمه !

ثم حين نفحص دعواه نجد أنها كاذبة ولله الحمد ، فإن القول بتحريك السبابة في التشهد ليس قولاً للسلفيين ، بل قول لأحدهم وهو الشيخ الإمام ناصر الدين الألباني ، وخالفه آخرون من علماء السلفية على رأسهم ابن باز والشيخ ابن عثيمين ، فنسبة قول واحد من السلفيين إلى الجميع بهذه الطريقة واضح الإغراض .

كما أن القول بأن السلفية أو الألباني انفردوا بذلك دون الأمة غير صادق ، فهو قول مالك وعدد من أصحابه ، قال في مواهب الجليل:”وتحريكها دائما) هذا هو المروي عن مالك في العتبية والذي صدر به ابن الحاجب وابن شاس وجعل ابن رشد التحريك سنة”٢/ ٢٤٨ ؛ وقول عند الشافعية ،يقول الماوردي: “واختلف أصحابنا في تحريكها على وجهين:أحدهما: يحركهما مشيرا بهما، روى ابن عمر أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – قال: ” هي مذعرة للشيطان “الحاوي ٢/ ١٣٣.

يقول الدكتور إنهم أي السلفيين “جاءوا إلى حديث النهي عن صيام السبت وهو حديث محل اتفاق ترك العمل به هكذا مطلقاً ، لم يقل به أحد ،وعملوا به ” وكلام الدكتور هذا باطل أيضا من وجهين :

الأول : أن العلماء لم يتركوا العمل به مطلقاً كما زعم بل عملت به جل المذاهب وأولهم الحنفية وهم أصحاب الدكتور يقول حسن بن عمار الشرنبلالي: “وكره إفراد يوم السبت به لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فيمضغه) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي” مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ،ص: 237.

وعبَّر النووي عن قول الأكثر بقوله:”يكره إفراد يوم السبت بالصوم فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره صرح بكراهة إفراده أصحابنا منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم لحديث عبد الله بن بسر عن أخته الصماء رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [وساق الحديث] رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وغيرهم وقال الترمذي هو حديث حسن قال ومعنى النهي

أن يختصه الرجل بالصيام لأن اليهود يعظمونه وقال أبو داود هذا الحديث منسوخ وليس كما قال”المجموع،٦/ ٤٣٦.

وكذا الحنابلة يعملون به قال ابن قدامة :”قال أصحابنا: يكره إفراد يوم السبت بالصوم؛ لما روى عبد الله بن بسر” المغني٣/ ١٧١.

الوجه الثاني :أن مشايخ السلفية ليس كلهم يعمل بالحديث كما يدعي الدكتور ، فمنهم من لا يعمل به مطلقاً كالشيخ ابن باز رحمه الله لقوله بضعف الحديث، ومنهم من يكره إفراده بالصوم كابن عثيمين .

أما إذا كان الشيخ الألباني انفرد بأمر ، فهو قوله بلزوم الإفطار فيه إذا وافق يومَ عرفة ويومَ عاشوراء ، وهو رحمه الله إذا انفرد فليس هو كل السلفيين ، كما أنه انفرد لدليل عملت به جل المذاهب ، ومُستَنِد في فهمه إلى قاعدة في أصول الفقه ، وهي قولهم:”الحاظر مقدم على المبيح” كما نص على ذلك هو نفسه في حواراته، ولم يجعل الألباني ولا غيره من السلفيين هذه المسألة ولا أي مسألة في الفروع  هي الدين كما يفتري هذا الدكتور.

ثم نسب للسلفيين أنهم يحرمون لبس الذهب للمرأة ويخصون المُحَلُّق منه ، وهذا كَذِب منه ، فإنه لا يُعرَفُ من السلفيين من قال بذلك سوى الشيخ الألباني رحمه الله ، وموقف الشيخين ابن باز وابن عثيمين من ذلك معروف ومشهور ، ومع ذلك فالألباني ليس منفرداً بهذا القول بل له سابق من سلف الأمة ، إذ هذا قو قول عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير وابي هريرة والحسن بن علي رضي الله عنهم جميعا ، كما رواه ابن حزم عنهم بأسانيده إليهم ، المحلى ٩/ ٢٤٠ ، وحسبك بهؤلاء السابقين من السلف قُدْوة ، كما أنه اتبع سنة صحيحة لم يخالفه العلماء في دلالتها ، لكنهم خالفوه في مكانها من السنن المبيحة .

ثم ذكر الدكتور أن السلفيين يمنعون من أخذ المرأة شيئاً من شعرها غير العانة والإبطين وزعم أنهم يحتجون على ذلك بحجج غريبة ، والجواب : أننا لا نعلم من علماء السلفية قال بذلك مطلقا ، وعلى رأسهم ابن باز وابن عثيمين ؛ أما الألباني فأجاز للمرأة تقصير شعر رأسها كما كان أزواج رسول الله يفعلن ، ومنع أخذ الشعر من الوجه والجسد ،ودليله رحمه الله ليس غريباً بل هو حديث “لعن الله النامصة والمتنمصة …المغيرات خلق الله” فنص الحديث على عِلَّة النهي وهي تغيير خلق الله فكلما كان من تغيير خلق الله فهو محرم ما عدا ما أُذِنَ به ، وبمثل قوله رحمه الله ، ولم ينفرد بذلك كما يزعم الدكتور ، بل قال به شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري كما نقله ابن حجر عنه في الفتح ١٠/ ٣٧٧.

ويتهكم الدكتور على السلفيين لأنهم حسب زعمه يحرمون البيع بالتقسيط مع أن تسعين في المائة من مبايعات المسلمين هي بالتقسيط ! هكذا قال  ، والحقيقة أن علماء السلفية مطبقون على جواز البيع بالتقسيط وعلى رأسهم الشيخان ابن باز وابن عثيمين فلا  يَحرم البيع بالآجل إلا في أصناف ربا الفضل ، أما بيع السلع بالأجل بثمن أغلى من ثمنها حالة فرأى حرمتها الشيخ الألباني لحديث النهي عن بيعتين في بيعة وهو مسبوق بزين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهما ومسروق والجصاص من أئمة الحنفية كما في أحكام القرآن ،١/ ٥٦٦[ت: عبدالسلام شاهين]  وأما بيع العينة وهي أن يبيع السلعة حالَّة لمن باعه إياها آجلة فمحرم ، عند الجماهير وليست عند السلفيين وحدهم ، وأما التورق ،أي شراء سلعة بالآجل ليبيعها حالةً  لغير من باعه إياها فيمنع منه ابن تيمية ومن السلفيين المعاصرين ابن عثيمين والألباني ؛ لكن لم ينفرد السلفيون بتحريمه كما يزعم الدكتور ، بل يحرمه الحنفية أيضا في قولٍ عندهم ، ويسمونه عينةً أيضا ، وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة في نفسي منه مثل الجبال ؛ شرح كنز الدقائق ،٣/ ١٦٣.

ننتهي من ذلك إلى أن دعوى الدكتور أن السلفيين مساوين لليهود في الخطر وأنهم يجهلون مسلمات الدين وأنهم يبنون دينا جديداً ، ليس لديه عليها سوى أمثلة من فروع الفقه التي لا تعم بها البلوى ولا يقع فيها كل أحد ،كما أن السلفيين ليس كلهم يأخذ بها  فله سلف من المذاهب الأربعة ومن الصحابة والتابعين .

وحال الدكتور هي حال كل من يهاجمون السلفية يعمدون إلى الكذب والتهويل والتضخيم ملبسين إياه بشيء من الحق كي يُرَوِّجُون به الباطل {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}

د محمد السعيدي

التعليقات

ردان على “سلاح الكذب في مواجهةالسلفية ، قاعدة ومثال.”

  1. يقول أحمدبن مهنا:

    من يأت بالجهل في ثوب الحق فهو جاهل جهلا مركبا ! وما أشبهه بالمنافقين !
    هذه المقالة مرجعية ، محجة ، ليت الدكتور أبا الحاج يقرأها ،

    وليت المسلمين يقللون من هذه التصنيفات ، أظن ضررها أكثر مما يرجى من الفائدة ، ولدت التفرق ودفعت للكذب والشتم والسطو على أعراض المسلمين وأعراض العلماء ..

    شكرا د كتور محمد ، حفظك الله وزادك علما وفضلا.

  2. يقول غير معروف:

    { لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.