الانهيار الفطري آخر مراحل العولمة

تكبير الخط تصغير الخط

الانهيار الفطري آخر مراحل العولمة

قريباً جداً أُعلن عن فيلم كرتوني في الولايات المتحدة لا أُريد أن أذكر اسمه ولا اسم الشركة المنتجة له ، فقط أذكر أنه يتضمن تطبيع عمل قوم لوط في نفوس الأطفال ، وقد بدا لي حين قرأت عنه أن أتواصل مع أحد الأفاضل العاملين في مجال الحقوق الدينية والأخلاقية في أوروبا لأقترح عليه أن تقوم مؤسستهم أو غيرها ممن يرى من المؤسسات العاملة في الغرب بإدانة هذا العمل وتجييش المنظمات الحقوقية ضده .

ظهر لي من تواصلي معه أنهم بحكم عملهم وغيرتهم قد سبقوني إلى هذا التفكير ؛ لكنه فاجأني بالقول : إنهم سوف يُحاولون فعل شيء من منطلق حماية الطفولة من الخطاب الجنسي المبكر ، وغالب ظنه أنهم حتى من هذا الجانب سوف يفشلون لأمرين ، أحدهما : أن هناك توجهاً عالمياً جديداً لازال في باكورة نشاطه ومع ذلك فقد وُلِدَ كبيراً ، وهو نشر الإباحية بين الأطفال وعدم قصرها على الكبار لاعتبارات فلسفية فاسدة ؛لكِنَّ دُعاتها على قناعة تامة بها ويعملون لإقناع المؤسسات الدولية بضرورتها؛ الأمر الآخر : أن فاحشة قوم لوط التي يُسمونها من أجل تسويغها “الشذوذ الجنسي” أصبح نقدها اليوم في أوروبا من أعظم المحرمات ، فأي سياسي ينتقد الشذوذ فذلك يعني أنه حكم على مستقبله السياسي بالإعدام ، وكذلك لو أقدم صاحب شركة على التصريح ضد هذه الرذيلة ،فيعني ذلك أنه قد عَرَّض نفسه لحرب اقتصادية شنيعة ، ومثلهم الفنانون والصحافيون والكتاب والمفركرون ، فصدور أي رائحة نقد لهذا الخبث كفيلة بأن تجعل حياة هذا الناقد جحيماً ؛ وفيما يتعلق بالمؤسسات الحقوقية لو فكرت بالمساس بما يُزْعَم من حقوق هؤلاء الرُذَلَاء فهذا يعني أنها تخطو الخطوة الأكثر جُرْأةً في طريق الهاوية .

بالنسبة لمؤسستنا – قال لي صاحبي – لو تكلمنا عن هذا العمل فسوف يصدر من الغد قرار بحل مجلس الإدارة وتشكيل مجلس جديد كإنذار بإنهاء عمل الجمعية بالكامل .

ثُمَّ قال : أنت تعلم أنني أتحدث إليك من دولة هي مضرب المثل بالديمقراطية وحرية التعبير ، يُمكنك هنا أن تنتقد الدين والحكومة ، ويمكنك أن تنتج فيلما تسيء فيه إلى الأنبياء ، بل إلى عيسى عليه السلام الذي يزعم معظم الأوروبيين أنهم أتباعه ؛كما يُمكنك بحجة أو دون حجة أن تنتقد رأس الدولة ، تعلم أن كل ذلك وأكثر ممكن عندنا ؛ لكنك ستتعجب حين تعلم أنه لا يُمكنك التحدث عن من يصفونهم بالشاذين أو أن تنتقص منهم أو تُعَرِّض بالانتقاص منهم .

ثم قال لي: أتدري أننا كنا بالأمس في زيارة لأحد المسؤولين ، وحينما تعرضنا معه للحديث عن الشذوذ ، قام وأخذ هواتفنا المحمولة وأغلقها وذهب بها بعيداً ثم عاد ليقول لنا : لا يمكنني أن أتعاون معكم في هذا الأمر ، واسمحوا لي لو دخلتم في هذا المسار ستجدونني في مواجهتكم .

تصور كيف يمكن لمسؤول في دولة من رموز الديمقراطية أن يُنَحِّيَ المحمول وكأنه يُخطط لانقلاب عسكري في دولة نامية وليس فقط ينتقد جريمة تُحرِّمُها جميع الديانات السماوية والوثنية .

أن توصف هذه الجريمة بكونها شذوذاً كان مرحلة من مراحلِ تطبيعها يبدو أن الزمن قد عفى عليها ، أما الآن فالعمل على جعل هذا الانحراف هو الأصل وتصيير العلاقة الطبيعيية شذوذاً ، ولا تستبعد قريباً أن تصدر في بلاد الغرب قوانين تُجَرِّم من يصف هؤلاء المجرمين بالشذوذ ،وليس الغريب أن يكون على وجه الأرض جماعات منتكسة الفطرة داعية إلى انتكاستها ، فالضلال غرائب شتى وطرائق متشعبة لا تنقضي عجائبها ، لكن الغريب أن يملك ترويجُ الانحراف هذه القوةَ التي تفرض نفوذها على أقوى المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وما انبثق عنها من منظمات وإدارات ،وأقوى الحكومات والدول في العالم كالولايات المتحدة ودول أوروبا والصين ، ولصالح من يُرَاد تحطيم بِنية العالم الأخلاقية والاجتماعية والقضاء عليها قضاءً نهائياً ؟

لقد قطع العالم مراحل كبيرة في طريقه نحو الانهيار الاجتماعي والأخلاقي منذ الثورة الفرنسية وحتى الآن ، لكن هذا الانهيار كان في طريق إشاعة الزنا وأسبابه بحيث يبقى الرجل رجلاً والمرأة امرأةً وتبقى الأسرة الصحيحة هي المصير النهائي بعد تعدد العلاقات  رغم ما يسبق إقامتها وما يصاحبها من اختلاط أنساب وأطفال مشردين وأمراض عضوية ونفسية واجتماعية .

أما الآن فيتجه المفسدون بالبشرية نحو الانقراض وذلك عبر قتل الرجولة والأنوثة والقضاء على  الاتجاه الفطري من الرجال نحو النساء ومن النساء نحو الرجال 

 بقتل الفطرة الإنسانية وتوجيه كل جنس نحو بعضه ، وهو منتهى ما يمكن أن تصل إليه البشرية من فجور ومعاندة لله تعالى واستكباراً على حكمته وبديع خلقه .

لم يعد المطلوب أن يبقى أصحاب هذا التوجه الأثيم أقلية في العالم يسمون شاذين ؛ وإنما المطلوب هو جعل أصحاب الاتجاه الفطري هم الشاذين والغلبة في كل شيء للفجرة حملة هذه الخطيئة .

لازلنا في العالم الإسلامي وفي أكثر دول الشرق نتناقل أخبار هؤلاء العصاة وما لهم من تمكين في الغرب بتندر ، لكن الأمر لن يبقى كذلك إن لم يفعل العالم الإسلامي شيئاً لينقذ نفسه قبل أن تحل القارعة في داخل داره .

فحتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي كان العرب يتندرون بحال المرأة الأوروبية وسفورها وضعف شخصية زوجها أمامها ، وبعد مائة عام تغير الوضع ولم يعد الزوج أو الزوجة الأوروبيَّان ضرورياً في حياة الآخر  ، ولم يعد العرب يتندرون بحالهما فقد أصبحت صورة المرأة الأوروبية مألوفة في داخل المجتمعات العربية التي مورست عليها الكثير من الضغوط العالمية سياسيةً واستعمارية وثقافية وإعلامية وتعليمية لتسير نساؤها على نسق النساء الأوروبيات اللواتي أصبحن في أكثر البلاد العربية الأنموذج الذي تعتبر مخالفته تطرفاً وتشدداً وتزمتاً وتعنتاً .

وكما سارت هذه الخطة مع المرأة فسوف تسير بجميع فصولها مع تطبيع الانهيار الكامل لمعاني الرجولة والأنوثة في العالم العربي بل والعالم أجمع ، وذلك أن جميع المؤشرات تؤكد أن هذا التطبيع للفحشاء العظيمة متجهٌ نحو النجاح في الغرب وعندها سوف تتركز الضغوط نحو دول العالم ويعنينا منها العربي والإسلامي للضغط بشكل أكبر مما هو عليه الآن نخو غرس هذا العمل الشنيع في أخلاقيات العالم ومناهجهم الحياتية والدراسية ؛ فسوف تتجه الضغوط الدولية كي لا تنجو دولة مسلمة من الاعتراف بما يسمونه حقوق الشاذين مبدئيا لتصل الأمور بعد فترة إلى العمل الصريح على قتل الطبيعة والشرف والتمايز بين الجنسين.

من ناحية قدرية أظن أن الله تعالى لن يدع هذه الأمم وما هي عليه من محاربة الفطرة وسوف يأتيهم أمر الله ليلاً أو نهاراً فيجعل أرضهم حصيداً كأن لم تغن بالأمس ؛ لكننا شرعاً لسنا مأمورين بالقعود انتظاراً لسنن الله الكونية وإنما أُمِرنا بالعمل ودرء السيئات بالحسنات ، والمملكة العربية السعودية وحدها هي من أعدة العدة منذ زمن بعيد لتجعل من العالم الإسلامي قوة قادرة على فرض رؤيتها الدينية والثقافية على العالم أجمع ؛ والعالم الإسلامي اليوم باستخدام هذه الأدوات التي صنعتها السعودية قادر على اتخاذ التدابير التي سوف تحول حتماً لو تم استخدامها دون الاستبداد الذي تمارسه مؤسسات الأمم المتحدة لفرض هذه القذارات على العالم ، وأولها مركز الملك عبدالعزيز للحوار بين أتباع الحضارات والديانات ، فالمركز يضم ممثلين عن أكبر الأديان وأوسع الحضارات انتشاراً في العالم ، وينبغي أن يكون الممثلون فيه ومجلس أُمنائه مستقلين حقاً في تمثيلهم عن أي اعتبارات سياسية ، أو منظمات دولية ، أو شبكات إعلامية ، وبذلك يُمكنهم الصدع بقوة ببيانات تمثل الحقيقة والتي هي رفض جميع الأديان على هذه الأرض لهذا الانقلاب الأخلاقي المقيت .

ثم يأتي دور الذارعين الفقهيين وهما أكبر مجمعين فقهيين إسلاميين ، أحدهما التابع لرابطة العالم الإسلامي والآخر التابع لمنظمة التعاون الإسلامي ، وبإمكان كل منهما إصدار فتوى تمثل إجماع العلماء ليس على تحريم تلك القذارات بل على تجريمها واستحقاق فاعليها العقوبة الدنيوية العظيمة .

ثم تأتي الذراع الشعبية وهي رابطة العالم الإسلامي ، ثم الذراع السياسية وهي منظمة التعاون الإسلامي .

فإن إعلان مواقف متضامنة من كل هذه الهيئات مجتمعة وتسويقها إعلامياً سيكون له بالغ الأثر في إضعاف ما ترمو إليه الهيئات الدولية والدول الغربية من فرض هذه الثقافة المقيتة على العالم .

وينبغي على كل دولة من الدول الإسلامية أن تجند ما تملكه من هيئات كالأزهر وفاس والقرويين وجامعة إفريقيا العالمية وجامعة ماليزيا العالمية وغيرها ، من أجل صد هذا التحوير الأخلاقي والفطري القادم بقوة .

ومن ثَمَّ تدارك ما فات من أجل صد موجة العولمة التي غزت الأمة منذ زمن وأثرت فيها أثراً بالغاً .

التعليقات

ردان على “الانهيار الفطري آخر مراحل العولمة”

  1. يقول عابر:

    جزاك الله خيرا.. ولكن للأسف حتى المنظمات الدينية في العالم الإسلامي أصبحت مسيسة تتنازل عن ثوابتها لاجل المصالح السياسية . أضف الى ذلك تسارع الدول العربية والإسلامية الى استضافة المناسبات العالمية الرياضية او الثقافية او الاقتصادية والتي أصبحت لا تعطى للدول الا بعد ضمان حقوق منتكسي الفطرة الذين ذكرت جزءا واحد فقط منهم. فما الحل وكل شيء مرتبط بهذه الاجندات؟ والله المستعان.

  2. يقول عبدالله الدوسري:

    جزاكم الله خير على هذا الطرح واسأل الله ان يحظى اقتراحكم ببالغ الاهتمام من هيئات و حكومات العالم الاسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.