تقدير الرموز

تكبير الخط تصغير الخط

د. محمد بن إبراهيم السعيدي :

لأطفال مولعون أبداً بالأقوياء، و يضفون صفة القوة على مَن أحبوه، ولو كان أبعد ما يكون عنها، وكأن مسوّغات الحب لا تكتمل لديهم إلاّ إذا كانت القوة على رأسها، كما أنهم يحبون مَن أظهر لهم القوة، لاسيما إذا كانت ضد من يمثل لهم مصدر خوف دائم كاللصوص والذئاب والكلاب.
والعجب ليس من هذا بل العجب أن هذه العقلية في تقييم الناس تسود المجتمعات التي تعاني من الطفولة في بعض جوانب حياتها، فتجدهم يحبون من العلماء والمفكرين والقادة مَن يظهر لهم القوة، ولو كانت مزيّفة أو في غير محلها، ويحتقرون العقل والتروي لكونه لا يشبع فيهم تلك الغريزة الطفولية.
من هذه الزاوية الحادة أُتيت الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر، وأُصيبت أكثر من مرة في أكثر من مقتل حين سارت في اتجاهات عدة وراء من رسموا لها على الرمل أمجاداً عريضة ما لبثت أن سفت عليها الهبوب الذارية، واندفنت في رياح الواقع الأليم، ولم تكتشف الأمة ذلك إلاّ بعد أن أبعدت النجعة وراء تلك الأوهام مبتعدة عن طريقها الصحيح.
تقع أمتنا هذه الأيام في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه قبل زمن يسير فتطالعنا وسائل الإعلام وصفحات الشبكة العنكبوتية بافتتان الناس بمن ليس فيه متعلق إلاّ كونه مغامراً يتبجح بالقوة التي لا توجد إلاّ في جرأته على ادعائها، على الرغم من أنه لم يصل من دعواها إلاّ إلى إضافة جديدة إلى رصيد خسائره.
تلك الخسائر التي لا تريد الغريزة الطفولية أن تبصرها، وهي لا تزال تستمع إلى دعاوى النصر المزعوم والقوة الوهمية، منكسة القاعدة المنطقية القديمة التي تقول: ليس الخبر كالمعاينة، وتقول -وهي مصابة بالعشاء النهاري-: ليست المعاينة كالسماع.
ومما يجعل لدعاوى النصر وقعاً لدى هذه النزعة الطفولية: بعد أمتنا عن معايشة النصر الحق، وهو أمر أنسى الذاكرة اللغوية لشعوبنا المدلول الصحيح لكلمة النصر، فأصبح سهلاً على أي منتحل للنصر أن يسمي ما قام به نصراً، فترى صاحبنا الذي نتحدث عنه يسمي الصمود نصراً، ويصدقه الناس على الرغم من أن الصمود ربما عده الحكماء في بعض المواطن خَرَقاً (حمقاً)، ويعد من نصره أيضاً: رجوع العدو إلى نفسه ومحاسبته لقادته وسعيه وراء كشف مكامن التقصير في أدائه، على الرغم من أن ذلك منقبة لهذا العدو، ولو ملك صاحبنا الشجاعة، والتفت إلى نفسه وحاسبها كما حاسب عدونا نفسه لخرج من تلك المحاسبة مداناً ومديناً.
كيف لا وهو يقول اليوم بملء فيه: لو قدرت العواقب ما أقدمت؟
ومع هذا لم نجد من المنادين بنصره من يقول له: ولماذا لم تقدر العواقب؟ ألست قائداً؟ أليس من واجب القائد التفكر في العواقب؟ أليس عدم التفكر في العواقب يُعدّ من السوقة خطأ، ويُعدّ من القادة جريمة؟ ثم أليس عدم التفكر في العواقب دليلاً على خطأ الفعل والانتكاس في النتيجة؟
كل تلك الأسئلة لم يقلها أحد من المنادين به، وذلك أن ألسنتهم لا تزال مُلجَمة بهذه العقلية الطفولية في تقييم الناس على أساس القوة، ولو كانت القوة منهم دعوى مزيفة لا غير.
هذا مثال حيّ لما تؤثره دعوى القوة في نفوس الأمم المستضعفة، ولعل آثار هذا المثال لا تزال في بداياتها، وقد عانت الأمة من أمثلة سابقة أدى الإعجاب بها إلى اتخاذها رموزاً وقيادات ألحقت من حيث تعلم أو لا تعلم عظيم الأذى بالأمة الإسلامية.
والمخاطب في علاج الأمة من المسارعة بالإعجاب بكل مَن يدعي القوة ليس طائفة واحدة من طوائف النخب في المجتمع المسلم، ولكنني أعتني هنا بالعلماء والمفكرين وأصحاب القلم، فأول ما أدعوهم إليه هو أن يتخلصوا هم أولاً من أعراض هذا المرض الذي قد يصل إليهم بصفتهم جزءاً من الأمة، وذلك بأن يجعلوا العلم والفكر وسيلتهم الأولى في تقييم الرموز، وأن يتأنّوا في تزكيتهم للمترمزين، وما يقومون به من أعمال فترة لا يفصلون فيها عمل المرء عن تاريخه الفكري والنضالي، فإن تاريخ كل رجل يكفل لنا تفسير شخصيته وفهم مراميه.
كما أدعو إلى البدء منذ اليوم بوضع خطة لتربية الأمة على ملكة صحيحة لتقييم الشخصيات ملكة أول معالمها هو النظرة المتعددة الأبعاد، فليست قدرة أحد على الضجيج والتحدي والقصف والضرب هي وحدها مسوّغاً لاتخاذه رمزاً ووقوفنا معه قلباً وقالباً.
وقد علمنا مصير أناس قريبين لم تجن الأمة من تحدياتهم وضجيجهم إلاّ السم الزعاف.

* رئيس قسم الدراسات الإسلامية في كلية المعلمين بمكة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.