فك الارتباط بين الحقوق والديموقراطية والثورات

تكبير الخط تصغير الخط

فك الارتباط بين الحقوق والديموقراطية والثورات

إن الدراسات التي تخصصت في التنظير السياسي في تاريخ الفكر الإسلامي كانت تنطلق من وصف الواقع والعمل على جعله أقرب إلى الكمال، وحلِّ المشكلات التي تواجه القائمين عليه، وذلك كما صنع الماوردي وأبو يعلى في كتابيهما المتقاربين “الأحكام السلطانية” وكما فعل أبو المعالي الجويني في كتابه “غياث الأمم في التياث الظُّلَم” وكما فعل ابن الأزرق في “بدائع السلك في طبائع الملك” وكذلك ابن خلدون في مقدمته التي لم تكن متخصصةً في هذا الأمر، ولكنه قَدَّم في هذا السبيل أفكارًا نافعة، لكنها كسابقاتها من الدراسات لم تتجاوز حكاية الواقع والتنظير لإصلاحه دون التفكير في تغييره أو استحداث نظام جديد بديل عنه؛ وتعرضت هذه الدراسات في عصرنا الحاضر لنقد كبير بعيدٍ كلَّ البعد عن الإنصاف؛ بل بعيدٍ كل البعد عن الفهم الصحيح لِمَا فيها، فوُصِفت بكونها كُتُبًا وضعت لمجاراة الحكام والتسويغ لهم والتنظير للاستبداد؛ ولم يكن الأمر كذلك، ولم تحتو هذه الكتب على شيء مما زعم أولئك الناقدون؛ بل كانت جارية على المبدأ الذي استقر عليه علماء المسلمين منذ انقضاء كارثة دير الجماجم حتى اليوم، وهو أن تغيير الأنظمة السياسية عن طريق الثورات والخروج على الحكام لا يُثمر إلا فسادًا، وقد جاء هذا الدرس الذي تحملت الأمة في باكورة تاريخها آلامًا كبيرة من أجل تحصيله مُصَدِّقًا لسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أمر بطاعة الحُكام في غير معصية الله وإن عصوا وإن جاروا، وقال: “تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم”()، فجاءت كُتُبُهم في السياسة الشرعية عبارة عن وصايا للحكام من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وكذلك وصايا من تجارب الأمم التي سبقت المسلمين في الأنظمة الملكية، والإرشاد إلى تدابير في إدارة المملكة وتحقيق العدل والقيام بأمر الدين والدنيا؛ فجمعت تلك الكتب كثيرًا من الإرشادات الإلهية والسُّنن النبوية والأحكام الفقهية فيما يتعلق بكل ذلك، كما ضمت إلى ذلك من وصايا ملوك الفرس والهند والروم واليونان وحكمائهم في سياسة الناس وتدبير المملكة مما لا يتعارض مع الكتاب والسنة، وكذلك عملت هذه المصنفات على بيان الصفات الشخصية التي ينبغي أن يتحلى بها الحاكم، وكيف يختار جلساءه ووزراءه، وكذلك أوضحت التراتيب الإدارية التي تُعين على حفظ المملكة، وإقامة العدل وتدبير الخراج، وتنظيم العلاقات الدولية.

فكانت تلك الكتب شديدة النفع للحكام، وكانوا يقرؤونها وتُقرأ في مجالسهم، ووجدت الأمة بفضل ربها سبحانه ثم بفضل هذه الكتب خيرًا كثيرًا؛ إذ خرج كثير من الملوك والوزراء المصلحين الذين تحقق الخير الكثير على أيديهم، وإن حصلت منهم أيضا كثير من الأخطاء؛ لكنها بمجموعها أقل ضررًا بكثير من الأضرار البالغة التي تحدث جرَّاء الخروج والثورات على الحكام وصراع الممالك فيما بينها؛ ومن لا يعرف هارون الرشيد والمأمون والمعتصم والمتوكل ومحمود بن سبكتكين وألب أرسلان وعماد الدين زنكي ونور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والملك الناصر الأموي ويوسف بن تاشفين والناصر بن قلاوون، وغيرهم من ملوك المسلمين الذين ظَلَمَتْهُم عناية المؤرخين الكبرى بالتأريخ للحروب والتحولات السياسية، وضعف عنايتهم بالتأريخ للحياة العامة والمنجزات الحضارية والاقتصادية والعلمية.

فكانت كتب السياسة الشرعية مما وصل إلينا ومما لم يصل إلينا ذات تأثير كبير في إصلاح الأمة يتم إغفاله اليومَ عمدًا، والتزهيد فيه، لا لشيء سوى أنه يتعامل مع الواقع باعتباره واقعًا يُمكن إصلاحه بحيث يؤدي إلى حفظ أكبر قدرٍ ممكنٍ من مقاصد الحياة الكريمة والتي عَبَّر عنها علماء أصول الفقه بحفظ الضرورات والحاجات والتحسينات، وجعلوا حفظها بحفظ كُلِّيَاتِها الخمس وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال؛ فكانت كتب الأحكام السلطانية وتدبير المملكة تعمل في هذا الاتجاه دون أن تُحَمِّل المواطنين مغبَّة التصادم مع السلطات؛ لأن ذلك فضلًا عن كونه مخالفًا لما اتفق عليه الفقهاء من وجوب لزوم الجماعة يضيع المقاصد العليا للحياة بأكثر مما يُضيعه الاستبداد أو الأخطاء في تدبير المملكة.

ومعظم مباعثِ الاستهانة بتلك الكتب لدى المثقفين الناشطين في الفكر والعمل السياسي من الليبراليين والإسلاميين على حدٍ سواء، الافتتانُ بالنظام الديمقراطي ومعطياته التي وُجِدت في بعض بلاد الغرب كحق الانتخاب وتبادل السلطات والرقابة الشعبية على الحكومات، فتوهموا أن هذه المعطيات الجميلة ظاهرًا لا يمكن تحقيقها دون الأخذ بالنظام الديمقراطي، وأن تحصيلها في بلاد المسلمين سوف يتم بمجرد الانقضاض على الأنظمة الحاكمة، وكَثُرَت في ذلك الكتابات التنظيرية والتي لم تتجاوز رغم كثرتها والأفكار التي حُشِدت فيها حد الأحلام البعيدة عن تصور الواقع تصورًا صحيحًا، ذلك مع ما يصف المفتونون بالمُنْتَج السياسي الغربي أنفسهم به من فهم الواقع، ووصفِهم مخالفيهم بالبعد عن الواقعية، إلا أن الفشل المستمر والذي تكرر في عقود مختلفة وفي أماكن متباينة كان حريًّا أن يُقَلِّص من قدر غرورهم في دعوى فهم الواقع إسلاميين ويساريين وليبراليين؛ لكن ذلك لم يحصل حتى اليوم، لأسباب متعددة أبلغها في نظري أنهم لم يستسلموا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج على الولاة وإن كانوا وُلاة جور، ولم يستسلموا لما استقر عليه أهل العلم من أن درء المفاسد في الشريعة مقدم على جلب المصالح؛ لذلك لم يُقَدٍّروا حجم الفساد الذي ستعقبه ثوراتهم، ومن قَدَّره منهم لم يأبه بذلك التقدير، وإنما لجأ إلى محاولة استنساخ التاريخ الفرنسي الذي كان بين ثورته وبين قيام الديمقراطية في فرنسا أكثر من ثمانين عامًا حمراء، فرأوا أن وقوع البلاد الإسلامية في عقود طويلة من الدمار وسفك الدماء تكون خاتمتها دولة على غرار فرنسا يُعَدُّ ثمنًا زهيدًا في مقابل الحُرِّية التي ينشدونها، وهم بهذا القول يتوهمون تناسخ التاريخ، أي: أن التجربة التاريخية تنتقل بجميع مقدماتها وتفاصيلها ونتائجها من أمة إلى أمة، ولا يشك عاقل أن ذلك هوس، ولولا أني سمعت ذلك في مجالسهم ومن أفواههم وقرأتُه من كتاباتهم لما صدَّقتُ أن عاقلًا يقول به، ومع قولهم هذا فإنهم لم يقرؤوا التاريخ حقًا، وإلا لعرفوا أن الديمقراطية في أوروبا وليس في فرنسا وحدها ليست ثمرةً للثورات، فالأمد بعيد بين الثورة وتأسيس الديمقراطية بحيث يبعد أن يكون أحدُهما سببًا للآخر، وإذا دخلنا في التفاصيل سنجد بقراءة يسيرة أن الديمقراطية في فرنسا أسستها الدول الملكية المحاربة لفرنسا حينما تمت هزيمة نابليون الثالث، وكان ذلك بقصد جعل فرنسا منقادةً لهم، عاجزةً عن اتخاذ قرار الحرب ضدهم؛ وإنما هذا نموذج لقصور قراءتهم التاريخ الذي يريدون استنساخه على حساب الأمة وما يلحق بها من مضار، كما أن هذه المكاسب الحقوقية التي يَصْبُون إليها عن طريق الثورات أسوةً بتلك الشعوب لم يكن نيلُها نتيجة للديمقراطية كما توهموا، ولو كان ذلك لرأينا تلك الحقوق في أكثر من مائة وسبعين دولة تُطَبِّقُ جميعُها النظام الانتخابي، ومع ذلك فلا تكاد تجد في هذا العدد من الدول سوى القليل ممن تعد دُوَلَ حقوق؛ بل لا تجد فيها إلا القليل من الدول التي نجحت الانتخابات فيها في القضاء على الاستبداد، وإنما الذي نراه في أكثر دُوَل العالم ذات النُّظُمِ الانتخابية أن الطبقة الحاكمة استطاعت أن تجعل من الانتخابات داعمًا ومُشرِّعًا للاستبداد؛ إذن فهناك أسباب غير الديمقراطية أدت إلى نجاح النظام الانتخابي في تحقيق أهدافه في دول غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، وليست الديمقراطية هي السبب كما يتوهم أولئك ويحاولون بكل ما يُطيقون إقناع الشعوب به حتى يستفزونها نحو الثورات؛ وأنا على قناعة أن سبب نجاح الديمقراطية في القليل من دول العالم وفشلها في الغالب الأعم: قوةُ النفوذ الرأسمالي في الدول الناجحة، وضعف النفوذ الرأسمالي في الدول الأكثر عددًا، فإننا بالاستقراء نجد أن كل دولة طبَّقت الديمقراطية ولم تنجح في تحقيق أهدافها ،دولة تضعف القوة الرأسمالية فيها والعكس صحيح، مما يؤكد وفق قاعدة الطرد والعكس المنطقية أن النجاح الديمقراطي تبع للقوة الرأسمالية، وهذا يُفسِّر وبقوة عدم قدرة الديمقراطية على إلغاء الاستبداد في دُوَل عريقة في العمل الانتخابي والتعدد الحزبي والنظام النقابي، وذلك لضعف النفوذ الرأسمالي فيها بالنسبة لعدد سُكَّانها ومساحتها، وبذلك نصل إلى أن توافق الرأسماليين الكبار في بلدٍ ما على أن الأجواء الديمقراطية أكثر خدمة لمصالحهم، وأقدر على تمكينهم من مفاصل الدولة، وأكثر حماية لهم من بأس بعضهم ومن تسلط السياسيين والمُشَرِّعين والعسكريين عليهم هو السبب الرئيس في نجاح الديمقراطية في تلك البلد.

إذن فالتعريف الواقعي للديمقراطية الناجحة هو أنها: “التمكين للاستبداد الرأسمالي” والديمقراطية الفاشلة هي التي لا يكون النفوذ الرأسمالي مُسَيِّرًا لها؛ ففي بلاد الديمقراطية الفاشلة نجد كبار التُّجَّار وكبار المُلَّاك في خدمة الطبقة السياسية أيًّا كانت، مدنيةً أم عسكرية، والعكس في بلاد الديمقراطية الناجحة نجد الطبقة السياسية والقيادات العسكرية في خدمة المتنفذين ماليًّا.

والرأسماليون في غرب أوروبا وشمال أمريكا -وهي البلاد التي قلنا إنها ناجحة ديمقراطيًّا- لا تضرهم حرية التعبير السياسي، ولا حرية العمل السياسي، ولا حرية الأديان ولا حرية الأخلاق والآداب، وكثيرًا ما كانت تلك الحريات تزيد من تمكينهم، إما لأنها تزيد أيضا من حرية الاستهلاك، أو لأنها تُقَوِّي جبهتهم الشعبية في مواجهة أي تمرد عسكري أو سياسي يُحَاوِل سحب البساط من تحت أرجل الرأسماليين؛ ولهذا يقفون بأجمعهم ضد الحرية حين تتمادى إلى ما يُضِرُّ بمصالحهم، وإن كانت تعبيرًا مشروعًا وفق الأصول الديمقراطية كما حصل في قمع مظاهرات وول ستريت سنة ٢٠١١م والتي تزامنت مع الثورات في البلاد العربية، ومظاهرات ذوي السُّتْرَات الصفراء في فرنسا سنة ٢٠١٨م واللتين قُمِعَتا دون نقد دولي.

فحدود الحرية والحقوق في الأنظمة الديمقراطية القليلة الناجحة هي الحدود التي تفرضها الرأسمالية، وليست الحدود التي تفرضها الأديان أو الأخلاق والقيم، أو حتى المصالح العامة للناس، وهذا هو أحد أهم ما أغفله أشدَّ الإغفال دعاة الثورات من أجل الحرية في عالمنا العربي، وأخص الإسلاميين منهم، والذين لم يتفكروا وهم يُطالِبُون باستنساخ التجربة الثورية الأوروبية في مقدار ما دفعته الشعوب الأوروبية من دينها وأخلاقها وقِيَمها وموروثها الثقافي ثمنًا لهذه الحقوق المزعومة التي ضمنتها الديموقراطية لهم؟

لقد دفعوا الشيء الكثير حتى فرَّطُوا في فطرتهم الإنسانية وغيرتهم وعلاقاتهم الأسرية، وأصبحوا مجموعات بشرية كبيرة تائهة ساقطةً في قِيَمهَا وأخلاقها وإيمانها، لا تعرف غير قِيَم السوق وافتراسه، وحتى الأخلاق الجميلة والمحدودة في التعامل والتي يُبَالِغ كثيرون منا في تضخيمها؛ إما نتاج طبيعي للمدنية، وإما ثمرة تأصُّل الفلسفة النفعية في ثقافتهم، وليست نتاج بواعث أخلاقية إنسانية حقيقية.

إنها شعوب مقهورة حقًا، لكنَّ قهرها قد يتغلف بالإغراق في الذاتية التي تجعل الإنسان منفصلًا عن كل مسؤولياته الاجتماعية، ولا يعتني سوى بنفسه مما يجعل أعباء الحياة المادية يسيرةً عليه، أو يتغلف بمزيد من الهروب من الواقع عبر الانهماك في العمل تارة والانهماك في اللهو تارة أخرى.

لا أختلف مع أحد في كون الديمقراطية تتكون من جذور فكرية وأدوات، وأعلم أن كثيرين يقولون بأهمية استيراد أدوات الديمقراطية دون فلسفتها، لكنَّ توريط الشعوب في ثورات وصدامات مع حكوماتها وجيوشها لم يكن من جذور الديمقراطية ولا من آلياتها، فلم تقم على العنف ديمقراطيات قديمة كاسبارطة وأثينا، ولا الديمقراطيات الحديثة كالديمقراطية الإنجليزية التي هي إصلاح من الملك جون الذي أسس البرلمان الإنجليزي المنتخب في منتصف القرن الثالث عشر، وتطورت صلاحياته شيئًا فشيئًا، يؤكد ذلك أن الثورة الإنجليزية سنة ١٦٨٨م التي تسمى الثورة الجليلة إنما قام بها البرلمان المنتخب ليس الشعب، وكانت اعتراضًا على وثيقة التسامح التي أصدرها الملك، وهي وثيقة تمنع الاضطهاد على أساس مذهبي، وتتيح المناصب لكل إنجليزي مهما كان انتماؤه، لكن البرلمان المنتخب الإنجليكاني لم يرض ذلك ولم يرتض دخول كاثوليك أو بريتانيبن  ضمن أعضائه ولا في المناصب العليا، فحرَّض على هذه الثورة مستعينًا بقوات وقيادات أجنبية؛ وكذلك الديمقراطية الفرنسية والأمريكية، ليس أي منها نتاج ثورة شعبية كما يُحَاوِل مروجو الفكر الثوري اليوم إيهام الناس به.

كما أن المنهج العملي الصحيح في الكتابة في التنظير السياسي هو المنهج المنطلق من دراسة الواقع ووضع الأدوات للرقي به، وليس التنظير الحالم المجرد من أي مقارنات واقعية وتاريخية بعيدة عن عبث الأهواء؛ لإيجاد إطار تنظيمي يحقق أكبر قدر من مقاصد الحياة التي هي مقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا النوع من الكتابات نفتقر إليه في ثقافتنا الإسلامية المعاصرة والتي أثَّر الفكر السياسي الغربي على تنظيراتها بشكل كبير جدًّا حتى إنها توقفت عنده وظلت تنظر إلى التراث الإسلامي السياسي بعد عصر الخلافة الراشدة نظرة مقت كبيرة، وتنظر إلى الواقع السياسي على أنه إما نتاج ذلك الإرث الممقوت أو صنيعة استعمارية لا يُمكن التفاهم معها، لا تجد عندهم وسيلة للإصلاح السياسي إلا عن طريقين: إما الهجوم على النظام القائم للانقلاب عليه كما حدث في الثورات القومية منتصف القرن الماضي، وما حدث فيما يُسمى زورًا بالربيع العربي، وإما الدخول ضمن هذا النظام للاستيلاء عليه كما حدث في عدة تجارب قبل الثورات العربية الأخيرة وبعدها، وكل ذلك لم يُجدِ نفعًا بل أثمر حنظلًا وصَبِرًا ذاقت الشعوب منه أعظم البلاء.

وقد انجرَّ كثير من المنتسبين للمنهج السلفي إلى هذا المنزلق في التفكير السياسي؛ لأنهم هم وغيرهم وجدوا فراغًا في الإبراز المستقل للفكر السياسي السلفي الذي يسعى لإصلاح الواقع مع المحافظة عليه وليس بتدميره، وهو ما فعله مؤلفو كُتُب الأحكام السلطانية وفق ما يتناسب مع أزمانهم، وكان من المفترض أن يُكتب فيه اليوم وفق ما يناسب زماننا ومكان كلٍّ منا.

نعم كتب الكثيرون عن شرح أحاديث طاعة ولاة الأمور، وتكلموا عن صحتها، ونقلوا أقوال الفقهاء الكبار في لزوم الأخذ بها، وكثير منها شروح مباركة عظيمة النفع، لكن تبقى هناك مهمات تحتاج إلى الاضطلاع بها يفرِضها الواقع المعاصر، ومنها رد الشبهات التي تزعم أن تلك الأحاديث إنما هي تأصيل للاستبداد، وبذلك فهي تُعارض مقاصد الشريعة التي تدعوا إلى الحكم الرشيد وتذم الطغيان، وتنتهي الشبهة من ذلك إلى عدم صحة تلك الأحاديث، وأنها أُلِّفَت هي الأخرى كنشاط سياسي لمصلحة الحُكَّام، وشيوع هذه الشبهة وانطلائها حتى على كثير من الإسلاميين يعكس الفقر في التربية الإيمانية في التنظير السياسي المعاصر، إذ لم يعد قبول الحديث ورده مرتهنا بمدى صحته من جهة الصناعة الحديثية رواية ودراية، بل أصبح مرتهنًا بمدى موافقته للأهواء!

ولا شك أن ذلك خلل إيماني، لأنه معارض للتسليم لقضاء الله وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا الله به في قوله: ﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالًا مُبينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وهؤلاء وإن أنكروا كونهم غير مُسَلِّمِين لقضاء الله ورسوله بمزاعم أن الأحاديث في ذلك لم تثبت عندهم، إلا أن هذا الإنكار لا ينفعهم؛ إذ الأحاديث بلغت من الكثرة واتفاق علماء الحديث في مختلِف العصور على صحتها حدًّا يمتنع معه تضعيفها، كما أن أمثال هؤلاء من منكري السنن لا يُبالون بالاحتجاج بأحاديث واهية أو غير قاطعة الدلالة يتأولونها ليستنبطوا منها ما يوافق توجهاتهم السياسية.

لذلك نقول: لن تكفي الدراسة الإسنادية في القضاء على هذه الشبهة، بل لابد من الدراسة المقاصدية التطبيقية على التاريخ الإسلامي؛ لمواجهة الدعاوى المقاصدية التي يتذرعون بها إنكارهم النصوص؛ وأعظم مقصد يؤيدها هو حفظ الضرورات والحاجات والتحسينات بكلِّيَاتها الخمس، ولا يُنكر إلا مُكَابِر أن الخروج على الأمراء من أعظم الذرائع لذهاب الضرورات التي تذهب الحاجات والتحسينات بذهابها، وحالات الخروج إمَّا أَنْ تذهبَ بالضروريات، وإما أن تذهب بمزيد من الحاجات والتحسينات؛ لذلك فإن من السفه طلب الحاجات والتحسينات عن طريق إسقاط الضرورات، وهذا للأسف ما حدث في ثورة ليبيا وسوريا واليمن والعراق، فلم تكن الثورات فيها لطلب الضرورات؛ بل لطلب الحاجات أو التحسينات، وهي أُمُور من حق المواطن، لا يُنَازِعُ في ذلك أحد؛ لكنَّ طلبها بطريق يُفْضي إلى القضاء على الضرورات، أو يفاقم فوات الحاجات والتحسينات لا يمكن أن يكون شرعيًّا.

إذن فالفكر السياسي السلفي يبدأ أولًا من التربية الإيمانية ليس فقط لإحداث القناعة بصحة أحاديث الطاعة؛ وإنما لأن الإصلاح برُمَّتِه في المفهوم السلفي ينطلق من الإيمان بالله تعالى، وبحقيقة الدنيا ورسالة الإنسان فيها والتي ينبني عليها معرفة الإصلاح من الوجهة السلفية ومراتبه وأولوياته.

ثُمَّ تأتي مهمة التعريف الإسلامي للحقوق، والتمييز بين ما هو حق وما ليس بحق في الفقه الإسلامي دون الرضوخ لدعاوى الفكر الغربي والذي يَنْظُر للحقوق من زاوية ثقافته هو وتعمل دُوَلُه على فرض رؤيتهم على المسلمين، ولا نتعجب من الاتجاهات الليبرالية أو اليسارية والقومية لدى أبناء المسلمين حين نراها تنتقل للزاوية الغربية لِتَنْظُرَ هي أيضا إلى الحقوق من خلالها؛ لكننا نستغرب حيث نرى بعض الإسلاميين الذين نشأوا وَرَبَّوا تلاميذهم على نظرة الشك والريبة تجاه كل شيء يُصَدِّرُه الغرب يرجعون في سياسة الأمة إلى المُنتج الفكري الغربي، ليس في تنظيم إداري صرف يمكن أن تُفِيدَ الأممُ فيه من بعضها، وإنما في تنظيم ذي جذور فكرية عميقة، ولم يَبْقَ هؤلاء الإسلاميون فيها كما كانوا يقولون سابقًا في ادِّعاء الأخذ بالآليات دون الجذور؛ بل امتدوا للالتصاق بالجذور العلمانية للديمقراطية ثم إلى أسلمة العلمانية، ومنهم من جنح إلى استحلال بعض المحرمات إما بحجة ضغط الواقع وإما بحجة الحُرِّية ومزاعم كونها مقصدًا شرعيًّا وشعيرةً إسلاميةً، مما يؤكد أن التطبيق العملي يُحيل القدرة على فصل الآليات عن الجذور.

الأمر الذي ينقلنا إلى ضرورة الحديث عن سَدِّ الاحتياج الفقهي من استحداث آليات لا تنتمي للفكر العلماني، وإنما تنتمي لتراث الأمة لتُكَوِّنَ البدائل الشرعية للعمل الديمقراطي والتي تَحُولُ دون مفاسد الطغيان وتوصل إلى الحقوق بمفهومها الإسلامي، وهنا سنكون مضطرين للعودة لمصطلحات تنتمي لمفاهيم إسلامية محضة كالعدل والشورى وأهل الحل والعقد والجماعة والبيعة، وكذلك مفهوم تطبيق الشريعة، والمعنى الأصيل للحكم بما أنزل الله تعالى، لا لنضعها أعلامًا على مؤسسات منقولة عن النظم الحضارية الأخرى كنوع من أسلمة أو توطين المصطلحات مع إبقاء الجوهر العلماني؛ بل لوضعها أعلامًا على مؤسسات جزء من نظام إسلامي مستقل وإن استفاد في بِنيَتِه الفوقية من هنا وهناك، ما لم تكن هذه الاستفادة في أمر مرتبط بالجذر العلماني.

وفي المقابل لا بد من تحديد موقفنا الصحيح والصريح من مصطلحات عابرة للعصور والدهور كمصطلحي الدولة المدنية والدولة الدينية، فهل يمكننا وصف الدولة الإسلامية بأحد هذين المصطلحين دون حرج ودون أن يقفز بنا هذا الوصف إلى المعسكر المقابل، أم أن نشأة هذين المصطلحين في بيئة نقيضة لبيئتنا يجعلهما مُحَمَّلَتَينِ بأوضاع تلك البيئة؛ مما يعني ضرورة الاستغناء عنهما بوصفين من نتاج تاريخنا المعرفي تكفلان حصانتنا من أوباء المصطلحات؟

وكل ما تقدم لا بد من أن يكون مرتبطًا بغاية الوجود، ومهمة الإنسان في الحياة في العقيدة الإسلامية، وكذلك مرتبطًا بمفهوم الدولة وغايتها وحقوقها وواجباتها، ومفهوم الجماعة وحقوقها وواجباتها في الفقه الإسلامي.

التصدي لهذه الأمور والكتابة فيها من وجهة سلفية قائمة على لزوم الجماعة والسمع والطاعة وتحقيق مقاصد الحياة الكريمة التي هي كما قدَّمنا مقاصد الشريعة فذلك ما ينقص حتى اليوم الكتابة السلفية في السياسة الشرعية، التي لازال ضعف الكتابة فيها أحد أسباب التراجعات عن المنهج السلفي أو أسباب الاختلاف داخله، في وقت وجدنا فيه كتابات ذات فكر خارجي صريح أو خارجي يتخفى بالعمل الحزبي قَدَّمت أطروحاتِها في هذا الموضوع بأرماق مستعارة فضلَّت وأَضَلَّت.

التعليقات

رد واحد على “فك الارتباط بين الحقوق والديموقراطية والثورات”

  1. يقول م.م:

    أحسنت وأبدعت شبخنا كعادتك جزتك الله خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.