مُلَخَّص في الأمن الفكري والتطرف والإرهاب وجذورها بين اليهودية والنصرانية والإسلام

تكبير الخط تصغير الخط

     

          مقدمة لا بد منها :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد :

اليهود في حكم الديانة الإسلامية أمنة ينطبق عليها حكم الإسلام العام في أن لهم الكرامة الآدمية والتفضيل العام لبني آدم على كثير من الخلق، كما قال الله تعالى:﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ [الإسراء: ٧٠] ولهم حسن الجوار إذا جاورونا بالإحسان ، وحُسنُ المخالقة ، ما داموا يحسنون المُخالقة معنا ، كما قال تعالى :{وقولوا للناس حسنا} [٨٣البقرة]  وقال تعالى {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}[٥٣الإسراء].

وليس لهم عندنا حق غير ذلك ، فإذا اعتدوا علينا ، أو غصبونا شيئاً أو أساؤوا لنا ، فهم كسائر الأمم ، ممن يعتدي أو يغضب أو يُسيء.

ولنا تاريخ ناصع مضيء يشهد لنا بحسن المجاورة والمخالقة ، حين عاش اليهود بين المسلمين قرونا يتمتعون بالأمن على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، حتى إنهم كلما اضطهدهم النصارى في أوروبا لم يجدوا مَلْجأً إلا بلاد المسلمين يتفرقون فيها ، ويصيبهم فيها من الأمن أكثر مما يصيب أهلها من المسلمين . 

لكنهم حين جاء العصر الحديث ، وكان لهم شيء من التمكين ظهر منهم من تسموا بالصهاينة ، واستخدموا القُوى الدولية لاغتصاب بلاد المسلمين بدعوى الحقوق التاريخية التي لا تستند إلى منطق تاريخي صحيح ، واستخدموا هيمنتهم الإعلامية ونفوذهم العالمي على السياسة والقضاء في تجريم كل من يختلف معهم ولو كان اختلافاً تاريخياً له ما يبرره كالخلاف في حجم ما تعرض له اليهود على يد النازية ، واحتكروا الانتساب إلى الى سام بن نوح عليه السلام ، وجعلوا من خالفهم ولو في وجهات النظر معادياً للسامية ، وحتى بلغ بهم الأمر إلى أن من استخدم حقه الذي بينه وبين الله في الدعاء على الظالمين الغاصبين منهم ،تعمل آلتهم الإعلامية على مهاجمته والنيل منه واستعداء العالم عليه. 

 ومن لم يوافقهم على عنصريتهم فهو إرهابي عنصري متطرف.

وبلغ من تعاليهم أن تَدَخَلُوا في نقد مناهج المسلمين الدراسية ، ومصادرهم الدينية بحجة كونها تُرَسِّخ ُللعنصرية ، مع أن العنصرية هي تُراثهم الصهيوني الذي بموجبه أعلن الكنيست في الكيان الصهيوني قبل أعوام قليلة موافقته على قانون يقضي بأن كيانهم المسمى بإسرائيل دولة قومية يهودية أولاً وآخرا.

وهو قانون يجسد الواقع المعاش في فلسطين المحتلة منذ سبعين عاماً في صورةٍ دستورية  ؛ أما من حيث الواقع العنصري فهو لا يأتي بأي تغيير ،فهو يصف تجمعهم في فلسطين على أساس الدين اليهودي بأنه قومية ؛ وهو وصف مغاير للحقيقة فيهود اليوم ليسو عنصراً واحداً يمكنه أن يستضل تحت مصطلح القومية بل هم عناصر متباينة ؛ فمنهم الخزر  والطورانيون والأفريقيون ومنهم العرب الحميريون أيضا وقلة من بني إسرائيل حقيقة ؛ وهذا الأمر ثابت تاريخياً وقد أعترفت به دائرة المعارف اليهودية ونقله الدكتور المسيري في موسوعته عن اليهود وأكده بنيمين فريدمان في مقالته”يهود اليوم ليسو يهودا”والتي نقلها إلى العربية زهدي الفاتح.

إذن فالغاية من تعبير هذا القانون الجديد عن تجمع اليهود في فلسطين بالقومية ترسيخ هذه الكذبة في الثقافة العالمية وإظهار كل اليهود في أنحاء العالم وكأنهم بنو إسرائيل النبي عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم ؛ والحقيقة التي لا يجهلها الساسة اليهود ولا يهود  العالم بأسرهم أن جماهير المنتمين للديانة اليهودية اليوم ليس بينهم وبين بني إسرائيل أدنى آصرة نسب ؛ وإعلاء هذه الحقيقة والنشاط في إعلانها وإشاعتها كفيل بأن يُسْقِط جانباً كبيراً من الدعاية الصهيونية للكيان الإرهابي والقائمة على أساس الوعد الإلهي ؛ ومع ذلك فهناك سبب مهم أيضاً؛ وهو حذر الصهاينة من أن تتهم دولتهم بأنها قائمة على أساس ديني وليس علمانياً ؛ وحينئذٍ فإنها سوف توقع الدول الداعمة لها مالياً وعلى رأسها الولايات المتحدة في معضلة كبيرة جداً ؛ حيث إن دساتير وأنظمة تلك الدول تعتبر الدول الدينية دولاً لا تؤمن بِقِيَم الحرية وبذلك لا تستحق المساعدة ؛ هذا من ناحية دستورية وإعلامية في مواجهة الرأي العام المحلي لكل دولة فقط ، وإلا فالحقيقة هي أن علاقات الدعم وعدم الدعم ، بل ؛علاقات السلم والحرب ليس لها علاقة بالحرية والعلمانية، وإنما بالمصلحة والمصلحة وحسب ، أما خطاب الدين والحرية فلا يتم استخدامه إلا عند الحاجة فقط لدعم شعبي لأي قرار يُراد اتخاذه ولو أدى ذلك إلى الكذب في سبيل تسويقه ، وهذا أمر بات الجميع يعرفه ولم نعد بحاجة لإكثار الكلام فيه .

وإذا كنا نقول إن هذا القانون لا يأتي بجديد سوى تأطير الواقع المعاش حالياً في فلسطين ، فلماذا تم إصدار هذا القانون ، ولماذا كل هذا الحماس له ؟

الجواب: أنه خطوة نحو إجلاء جميع العرب  مسلميهم ونصاراهم بحجة قانون القومية اليهودية وفق العنصرية الصهيونية التي يتهمون غيرهم بها؛ وربما خطوة نحو التوسع اليهودي في الأراضي العربية محل الوعد الإلهي المزعوم ؛ أما متى يكون ذلك ؟ فسؤال لا يحفل به الاستراتيجيون الصهاينة كثيراً ؛ فقد تغنى بنيامين نتنياهو وهو يُعَلِّق على هذا القانون بهرتزل المؤسس للحركة الصهيونية قبل أكثر من مائتين وعشرين سنة ، واعتبر هذا القانون امتداداً لما صنعه ذلك الرجل قبل قبل قرنين من الزمان .

فوضع قانون يهودية الدولة يعني مصدرية تراثها الديني لسياساتها واقتصادها وعلاقاتها السلمية والعسكرية ؛وفي هذه الورقات سأتحدث عن هذا التراث الديني اليهودي ومدى ارتباطه بأهم القضايا التي يَلِجُّ بها الإعلام العالمي وساسة الدول الكبرى والصغرى حول الإرهاب ومخاطره على العالم ، وأعلم أن هذا الموضوع قد طرقه عدد من المؤلفين والباحثين في كتب وأبحاث ، ومع ذلك رأيت أن كثرة الدلاء في هذا الموضوع وفي هذا الوقت بالذات لها من الأثر والفائدة والانتشار ماليس للدلو الواحد مهما بلغت سعته ومتانته وصفاء معينه .   

حديث في المصطلحات وعلاقتها بالفكر:

عندما نريد التحدث عن أي قضية حديثاً علمياً وتكون هذه القضية ذات عنوان مصطلحي شائك تتنازعه التوجهات الفكرية والعلمية والدينية والسياسية والوطنية ، أقول : إن الحديث العلمي عن قضية كتلك يحسن أن يتصدره بيان مُرَادَاتٍ الكاتب بالمصطلحات التي ستكون محل عنايته في البحث ، أو محل تشوف القارئ لها، لأي سبب كان ، وهذا ما أحب التقدم به بين يدي هذه الورقة؛  وأبدأ بمصطلح  الأمن الفكري ؛ الذي أصبح مطلباً ينادي به الساسة والإعلاميون والمثقفون في كل أنحاء العالم باعتبار الإرهاب المعاصر يرتكز على جذور فكرية وعقدية.

وهو كما يعنينا نحن المسلمين: صيانة الأمة من تسلط الأهواء الزائفة عليها ؛ وأعني بالأهواء ؛المُبتدعات البشرية المتلبسة بالدين والعقيدة؛ وهذا هو  ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به  ).

ولا شك آن تلبس الدين بالآهواء مفض في كثيرٍ من آحواله إلى ضياع الأمن على الآنفس والآبشار والآموال والأعراض والعقول ، وإذا لم يؤد التباس الدين بالأهواء إلى شئ من ذلك ، فيبقى آنه مؤدٍ إلى ضياع الدين أو تحريفه ؛ وهنا يتضح الفرق بين إدراكنا نحن المسلمين للأمن الفكري وبين إدراك أرباب الفكر العلماني الذي تقوم عليه دول الغرب لهذا الأمن ، فهم لا يعتنون منه إلا بما يؤدي إلى الإخلال بسلامة الأنفس والأبشار والأموال والحريات ؛ فهناك وجه اتفاق بين الفكر الإسلامي والفكر العلماني وهو خطورة الأفكار المخلة بالآمن على الأنفس والأموال ؛ ووجه اختلاف وهو كوّن الإسلام يرى خطورة كل فكرة تضر بكليات الشريعة الخمس بدرجاتها الثلاث ، الضرورية  والحاجية والتحسينية ؛ بينما نقتصر الخطورة في الفكر العلماني على ما يضر بالأنفس والأموال.

المصطلح الأخر مصطلح التطرّف وهو من أكثر المصطلحات إلحاحاً أن يُعتنى بتحريره لاسيما في وقتنا الراهن وأرى ان المراد به : ادعاء مشروعية العدوان الدين أو الملل آو النحل آو على الأجساد والأموال والأعراض أو العدوان على أحدها وسيلةً لنشر المعتقدات الدينية أو الأفكار الحياتية أو الهيمنة السياسية لمآرب دنيوية نفعية محضة . 

فقولنا : ادعاء مشروعية ، لأن الشرط في وصف عملٍ ما بالتطرف هو إدِّعاء مشروعيته ، وما لم تُدَّع مشروعيته ، فهو جريمة وحسب قد تصغر وقد تكبر باعتبارها إحدى الجنايات والجرائم لا باعتبارها تطرفاً.

 وقولنا العدوان، يخرج منه التعرض للملل والنحل  والإجساد والأموال والأعراض بمالم يكن عُدوانا ، كأن يكون عقوبة ملائمة لجريمة ما ، أو يكون بمبرر شرعي أو أخلاقي ويكون هذا التعرض ملائما أيضاً لحجم ذلك المبرر ، حتى لا تُتَّخذ المبررات الشرعية والأخلاقية ذريعة للعدوان كما حصل كثيراً في التاريخ ويحصل حتى عصرنا الحاضر ، حيث تستخدم المبررات الشرعية والأخلاقية لتسويغ العدوان العظيم على أديان  الناس وأبشارهم وأموالهم وأعراضهم وإحلال الفوضى والخداع في ديارهم. 

والتعرض للأجساد ، أعني: كل درجات التجاوز على الجسد بدءًا من الضرب حتى القتل ، ومثلها كل التجاوزات على الأموال والأعراض . 

وقولنا : وسيلة لنشر المعتقدات الدينية أو أو الأفكار الحياتية أو الهيمنة السياسية ، يخرج منها التجاوزات التي تحصل بسبب العداوات العنصرية والتنافس المادي ، فهذه جرائم قد تتجاوز في آثارها الإفسادية آثار التطرّف الذي نعنيه بالمصطلح لكنها ليست داخلة فيه بل هي صنف آخر من الجرائم مالم تُشَرَّع ، فإذا شٰرِّعَت حُق لنا أن نعطيها الوصف نفسه . 

وقولنا : لمآرب دنيوية نفعية محضة ، يخرج منه الجهاد في سبيل الله كما في شريعة الإسلام بشروطه وأحكامه التي ذكرها فقهاء الأمة من أئمة المجتهدين وأئمة المذاهب وأتباعهم ، فهذه ليست من العدوان أو التجاوز في أصلها ، وإن كان قد يأتي الخطأ في تطبيقها ، فيسبغ البعض على تصرفاتهم العدوانية وصف الجهاد، فإن العبرة إنما هي بتحقق الشروط التي ذكرها الفقهاء وانتفاء الموانع ، وما وقع من قتال دون تحقق الشروط وانتفاء الموانع المسطورة بأدلتها في كتب الفقه المعتمدة فهو تطرف يعظم ويقل بقدر توفر الشروط وانتفائها. 

وعلى ذلك المعنى الصحيح يُخَرَّج معظم جهاد الأمة وما جرى من الفتوحات من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مطلع العصر الحديث وما حصل فيه من الفتوحات الإسلامية العثمانية، وإن كان هذا الرصيد العظيم من التراث الجهادي قد تضمن حقيقةً  أخطاءً في تطبيقه في بعض فتراته إلا أن الأمانة العلمية تحول بيننا وبين إنكار وصف الأخطاء الحاصلة في التطبيق بالتطرف ، فنقول : نعم إذا ثبت في بعض عهود الجهاد أو مواقعه تجاوز لبعض أحكامه وشروطه فهو تطرف ، فالتاريخ الإسلامي يبقى تاريخاً بشرياً والحُكم فيه على الغالب وعلى أصل المبادئ والأكثر الأعم في تطبيقاتها لا على الأخطاء والأحداث القليلة بالنسبة لطول التاريخ وعِظم رقعته . 

وكذلك يخرج منه: التعرض الذي يهدف للهيمنة السياسية لغير مقاصد دنيوية نفعية محضة ، بل لمقاصد دينية شرعية صحيحة كتوحيد الأمة في مواجهة أعدائها كما حصل في العهد السلجوقي والأيوبي والعثماني ، أو إقامة دولة في منطقة ليس فيها دولة  تجمع كلمة أهل هذه المنطقة وتذب عنهم وتُنَظِّم علاقاتهم ، كما حدث في الصحراء الكبرى من إنشاء دولة المُرابطين في نهاية النصف الأول من القرن الخامس الهجري ، وكذلك تأسيس الدولة السعودية الأولى في جزيرة العرب في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري ثم الدولة السعودية الثانية ثم الثالثة التي لانزال ولله الحمد والنعمة نتفيؤ ظلالها أدامها الله وأعزها بطاعته. 

وفي كل تلك الحالات التي نرى أنها تخرج عن مصطلح التطرّف حصلت أخطاء هي تطرف حين يُنْظَرُ إليها بمفردها لكنها حين ينظر إليها ضِمْن الحالة بمختلف أبعادها يجب أن تُعَامل على أنها أخطاء في التطبيق وحسب . 

وحينما ننظر تاريخ التطرّف بهذا التعريف نجد أنه مُقارِن للغلو في الدين ، والذي يعبر عن خلل في فهم الدين يقع دائما بين فئة تقل وتكثر في أتباع الديانات في كل زمان ومكان وليس مقتصراً على الدين الإسلامي.

ولهذا قال تعالى مخاطباً أهل الكتاب من اليهود والنصارى ( قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) وقد غلا اليهود والنصارى في عدة جوانب أبرزها ، جانب العنف وجانب الرهبانية ، وحديثنا هنا عن جانب العنف ، فقد مارسه اليهود والنصارى عبر التاريخ مرات عديدة ، قاموا خلالها بمحاولات بشعة لتصفية مخالفيهم ، وقد نصت التوراة المحرفة على صور من هذه التصفية العرقية كما هو مسطور في سفر يوشع بن نون وغيره من الأسفار، ففي الإصحاح السادس من سفر يشوع [وحرموا _ أي قتلوا_كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف وقال يشوع للرجلين اللذين تجسسا الأرض: ادخلا بيت المرأة الزانية وأخرجا من هناك المرأة وكل ما لها كما حلفتما لها

فدخل الغلامان الجاسوسان وأخرجا راحاب وأباها وأمها وإخوتها وكل ما لها، وأخرجا كل عشائرها وتركاهم خارج محلة إسرائيل

وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها، إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب

واستحيا يشوع راحاب الزانية وبيت أبيها وكل ما لها، وسكنت في وسط إسرائيل إلى هذا اليوم، لأنها خبأت المرسلين اللذين أرسلهما يشوع لكي يتجسسا أريحا

وحلف يشوع في ذلك الوقت قائلا: ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا. ببكره يؤسسها وبصغيره ينصب أبوابها] فذلك السفريروي جزءً من القصة المزعومة ليوشع بن نون في  استئصال الفلسلطينيين ، بدعوى دينية . 

وفي الإصحاح الثامن من سفر يُوشع بن نُون ، تحكي التوراة المحرفة قطعاً إبادة سكان مدينة عاي الفلسطينية [ وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعا بحد السيف حتى فنوا، أن جميع إسرائيل رجع إلى عاي وضربوها بحد  السيف فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفا، جميع أهل عاي

ويشوع لم يرد يده التي مدها بالمزراق حتى حرم_أي قتل_ جميع سكان عاي

لكن البهائم وغنيمة تلك المدينة نهبها إسرائيل لأنفسهم حسب قول الرب الذي أمر به يشوع]

واستمع لهذه التصفيات في هذا السفر الإصحاح ثم اجتاز يشوع من مقيدة وكل إسرائيل معه إلى لبنة، وحارب لبنة

فدفعها الرب هي أيضا بيد إسرائيل مع ملكها، فضربها بحد السيف وكل نفس بها. لم يبق بها شاردا، وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا

ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لبنة إلى لخيش ونزل عليها وحاربها

فدفع الرب لخيش بيد إسرائيل، فأخذها في اليوم الثاني وضربها بحد السيف وكل نفس بها حسب كل ما فعل بلبنة

حينئذ صعد هورام ملك جازر لإعانة لخيش، وضربه يشوع مع شعبه حتى لم يبق له شاردا

ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لخيش إلى عجلون فنزلوا عليها وحاربوها

وأخذوها في ذلك اليوم وضربوها بحد السيف، وحرم ـ أي قتل ـ  كل نفس بها في ذلك اليوم حسب كل ما فعل بلخيش

ثم صعد يشوع وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون وحاربوها

وأخذوها وضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها. لم يبق شاردا حسب كل ما فعل بعجلون، فحرمها وكل نفس بها

ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها

وأخذها مع ملكها وكل مدنها، وضربوها بحد السيف وحرموا كل نفس بها. لم يبق شاردا، كما فعل بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها، وكما فعل بلبنة وملكها

فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها. لم يبق شاردا، بل حرم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل]

 

وأكرر أنه قد ورد لفظ [حرم وحرموا]في النص السابق عدة مرات ومعناه في التورات المترجمة [قتلوا]

وحتى لا نستغرق في الإطالة فهذا السفر كاملا يحكي عمليات إبادة كاملة لسكان مدن فلسطين دون تمييز بين طفل وشاب وشيخ وامرأة . 

فهذا السفر يُعَبر عن خلل في فهم الدين الذي جاء به موسى عليه السلام حيث جعله واضعوا السفر دينا عنصرياً لا يسعى لإقامة شريعة الله في الأرض بل يسعى لتمكين شعب معين منها وإبادة أهلها في سبيل ذلك ، وهي عنصرية من نوع مقيت حيث يُزعم السفر اختصاص ربوبية الله عز وجل بهذا الشعب دون غيره .

وكان المسيحيون الأوائل ينبذون العنف حتى دفاعاً عن أنفسهم وتحملوا في سبيل ذلك كثيراً من جرائم الدولة الرومانية الوثنية بحقهم ، وفي القرن الرابع الميلادي اضطرت الدولة الرومانية إلى اعتناق النصرانية واختارت المذهب الذي يتلاءم وديانتها القديمة ، ومع ذلك عانت من إشكال كبير وهو تعارض غزواتها التوسعية وما تقوم به من قتل وحرق وتدمير في سبيل ذلك مع المبادئ المسيحية الغارقة في السلمية ، وقد استطاعت الدولة التوصل عن طريق سلسلة من الرهبان إلى نظرية الحرب العادلة التي اكتملت على يد  القديس أوغسطيين[٣٥٤-٤٣٠م]  وحقاً إننا نجد كتابات أوغسطيين في شأن الحرب العادلة منطقية إلى حد كبير إلا أن الدولة الرومانية اعتبرت هذه النظرية المخالفة للروح المسيحية باباً تذرعت به لارتكاب كل الجرائم التي مارستها من أجل قهر الشعوب كي تحيا روما . 

وقد جعلت مكانة أوغسطيين المرموقة عند سائر الكتائس المسيحية آنذاك هذه النظرية مقبولة لدى الجميع الأمر الذي ساهم فيما بعد لاستكانة الشعوب المسيحية لبطش الروماني باسم الله حيث أصبحت هذه النظرية جزءًا أصيلاً من الدين المسيحي.

بل استُخدِمت في تصفية المسيحيين المخالفين لعقيدة الدولة الرومانية التثليثية كالأسينيين والآريوسيين والنساطرة الأول .     

حتى إنها أثَّرَت على مر التاريخ بعلاقة أوربا بالعالم الإسلامي حيث شهدت العصور المتعاقبة بعد ظهور الإسلام  مجازر تصفيات عرقية بذرائع دينية من أهل الكتاب ،كالمجازر التي ارتكبها الصليبيون باسم الرب في بلاد الشام وأبشعها مجزرة القدس سنة ٤٩٢ هـ حين دخل الصليبيون إليها بعد حصار دام شهرين وقتلوا فيها عشرات الآلاف في يوم وحد ، وكذلك  محاكم التفتيش في إسبانيا ،  ومجازر  البلقان في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي  ، وهي أحداث لا يُنكرُها مؤرخوا الغرب أنفسهم وكلها  كانت بغرض تصفية المسلمين على أساس الغلو في الدين ، حتى قال الشاعر أحمد شوقي وهو يُخٓلِِد مجازر مقدونيا:

ويحثه باسم الكتاب أقِسَّة

نشطوا لما هو في الكتاب حرام

وفي السنوات المتأخرة كانت مجازر الآرثوذكس ضد مسلمي البلقان أيضا وهي لا تخفى على الجميع وتستند أيضا إلى منطلقات دينية مزعومة  ، أما مجازر اليهود ضد المسلمين في الضفة الغربية وغزة فأشهر من أن تعرَّف ، وكذلك ما فعله الأمريكان والروس في أفغانستان وما فعله الأمريكان في العراق .

وقد كان مصطلح الحرب العادلة الذي تكلمنا عنه وجاء على ألسنة الأساقفة في القرن الرابع الميلادي ، كان هذا المصطلح حاضراً في التبرير للحرب على أفغانستان وعلى العراق في كلمات واضحة صدرت عن شخصيات كنسية وسياسية وجماهيرية .

المهم من ذلك أن قصة الغلو في الدين عن طريق الاعتداء على المخالف أو الإسراف في قتله لا ينجو منها أتباع دين ، وليست حِكراً على القلة من أتباع الدين الإسلامي . 

وهناك فروق يجب توضيحها بين الغلو المؤدي إلى التطرّف في الدماء لدى اليهود والنصارى والتطرف الذي وُجِد عند بعض المنتمين للإسلام . 

أبرز هذه الفروق أن التطرّف لدى اليهود والنصارى ترعاه دول ، كما مر معنا في المجازر المنسوبة إلى يُوشع بن تون عليه السلام ، على أننا معاشر المسلمين نؤمن بأن ما تنسبه التوراة ليوشع بن نُون من مجازر قتل فيها أهل أريحا وعجلون وعدداً من المدن الفلسطينية ، نعتقد أن هذه النصوص غير صحيحة جملة وتفصيلاً ، ونرى أن يُوشع بن نُون نبي مجاهد لا يمكن أن يتجاوز في الإسراف في القتل والعقوبة الحدَّ الذي يرتفع به الظلم وتتم به الدعوة إلى الله . 

والمُرجَّح أن هذه الإصحاحات كُتِبَت في السبي البابلي حين كان اليهود في قبضة بختنصر ، فكان أحبارهم ينسجون هذه الآخبار لأسباب نفسية ومعنوية عديدة ، يؤكد ذلك أن المؤرخين لا يُثبِتون أحداث هذه المجازر كما تصفها التوراة وليس لديهم من الوثائق المُُدَّوَنة ما يؤكدها . 

وكذلك رعَت الدولة الرومانية التطرُّف النصراني قروناً عديدة ، ورعت ممالك أوربا تطرف النصارى ضد المسلمين خلال مائتي عام من الحروب الصليبية ، وخلال محاكم التفتيش وخلال ما يُسَمَّى بالاستعمار وما يحدث اليوم من الدولة الصهيونية تجاه الفلسطينيين ، وما يحدث من روسيا تجاه أهل سوريا ، ولا يخفى الجميع ان التدخل الروسي في سوريا كان بمباركة كنسية ، مع أن روسيا- والكنيسة تعلم ذلك- كانت تقف إلى جانب الحكومة وليس إلى جانب الشعب ، ولم تستهدف داعشاً كما كانت تزعم . 

نعم قد شهِدَت أوربا حروب دينية أهلية كثيرة وطويلة جداً كحرب المائة عاما وحرب السبعين عاماً وحرب الثلاثين عاماً ، إلا أن هذه الحروب أيضاً وإن كانت سمتها الغالبة كونها أهلية إلا أن احتضان الدول لها كان واضحاً أيضا ، ويُمكن الرجوع إلى تفاصيلها في كُتَب التاريخ ليُدرَك ذلك . 

أما التطرّف لدى المسلمين السنة على وجه الخصوص فحالات التطرّف وفق التعريف الذي قدمناه في هذه الورقة ووفق الشرح الذي أتبعناه إياه كان حالات محدودة جداً، في التاريخ ، فالغالب أن العدوان الذي مارسته بعض الدول السنية في التاريخ الإسلامي كان بدوافع دُنْيوية محضة ولم يَكُن مُشَرَعاً ، فقد حدثت حُرُوب بين مُلُوك الطوائف في الأندلس في الفترة بين السقوط العملي لدولة بني أمية في الأندلس وبين ضم المرابطين لها ، وفي الفترة بين سقوط دولة الموحدين حتى سقوط الأندلس  ولم يكن أي من هذه الحروب مُشَرَّعا ، كما حدثت حروب بين الإمارات الإسلامية في الشام  والعراق وفارس في الفترتين البويهية ، والسلجوقية لاسيما الزمن الفاصل بين وفاة ألب أرسلان واستقرار الأمور لعماد الدين زنكي . 

نعم كانت هناك محاولات لبعض الحكام في آستخدام الدين للتسويق لأطماعه التوسعية لكنهم لم يظفروا بمن يُساعدهم في هذه المُهِمَّة من العلماء لاسيما الأئمة الكبار المتبوعين  ، فعلماء المسلمين يغلب عليهم عدم الوقوف مع الحكام إلا في الحروب المُشْرُوعة فعلاً ، أما الحروب التي يُراد بها أصل الدنيا باسم الدين فقليل من العلماء من يفعل ذلك ، ومن فعل ذلك لم يكن من الأئمة المتبوعين الأعلام ، وتُعَدُّ هذه نقطة اختلاف أيضاً بين التطرّف الإسلامي والتطرف اليهودي النصراني ، فلا تكاد تجد التطرّف اليهودي والنصراني إلا وتجد علماءهم الكبار وراءه ، أما التطرّف المنسوب لبعض المسلمين فالعلماء يبرؤون منه ومن أهله. 

 لذلك نجد أن معظم حالات التطرّف الديني في التاريخ الإسلامي تقوم بها جماعات خارجة عن جماعة المسلمين ، أو دول منتمية إلى مذاهب منشقة عن مذهب الأمة وهو السنة والجماعة ، كما حصل من بعض الدول التي نكلّت بشعوبها بدعاوى دينية كالدولة الفاطمية ودولة الموحدين أما الغالب فإن تاريخ التطرّف لدى المسلمين تاريخ جماعات وليس دولاً.  

وهذا الجانب من الغلو أعني الذي تعتنقه الجماعات المنتسبة لأهل السنة  يمكن أن نصفه بأنه جانب تلقائي يكمن في نزوع بعض النفوس البشرية بطبعها إلى العنف فتختلط هذه النزعة بالتدين أياً كان المتدين ، سوا أكان يهودياً أم نصرانياً أم مسلماً ، فتنتج غلواً في جانب العنف ،  لكن الإسلام استطاع   أن يٓحُدَّ من هذا الأمر كثيراً وذلك عن طريق الدقة والوفرة في التعاليم المحفوظة والبعيدة عن التحريف والعبث والتي لا تُوجَد في دين آخر ، وكلها متوافرة على حفظ الدين والنفس والعقل وألمال والعرض ، من جانبها الضروري جوانبها الحاجي وأيضا التكميلي أو ما يُسَمَّى تحسينياً ، وقد بلغ هذا التوافر من الأدلة على هذه الأمور أن سماها العلماء مقاصد الشريعة ، ولذلك كان المسلمون السنة على مدى تاريخهم حتى عصرنا الحاضر أقل الأمم غلوا في الدين في جانب العنف ، بل حتى التطرف والغلو الموجود حالياً في المنظمات المتطرفة المنتمية للإسلام السني خاصة كالقاعدة وداعش   أقل بكثير من الغلو والتطرف الموجود لدى الصهيونية اليهودية أو الصهيونية النصرانية أو الصفوية الشيعية . 

وهنا أنتقل إلى نقطة أُخرى من نقاط هذه الورقة ، وهي المراحل التي مر بها التطرّف في تاريخ الإسلام . 

فيبدو لي أن المرحلة الأولى يمكن أن نقول إن إرهاصاتها بدأت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولعل حديث الرجل الدي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له إعدل يا محمد فإنك لم تعدل ، وفال الرسول عنه : يخرج من ضئ ضئضئ هذا رجال حداث الأسنان سفهاء الأحلام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وصيامكم عند صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، أقول لعل هذا الحديث يُشير إلى هذا الرجل كواحد من عينة كانت موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم لكن توجهاتها لم تتبلور بعد أو أن مُقَوِّماتها النفسية أو المعنوية لم تُستكمل بعد أو أنها لم تجد الأجواء المناسبة للظهور ، لكن الحديث يُقَدِّم لنا صفات يمكن أن نقول إنها أغلبية ويمكن أيضا اعتبارها قواسم مشتركة بين الشريحة الكبرى من المتطرفين في التاريخ الإسلامي القادم . 

فحداثة السن مجتمعة مع سفه الحلم مُكونان رئيسان في الشخصية المُتطرفة ، وسفه الحلم وصف جامع لعدد من الصفات منها ضعف القدرة على استيعاب الحالة الراهنة ومن ثَمَّ ضآلة القدرة أو لنقل العجز عن تقدير المستقبل ، وكذلك ضعف القدرة على تقدير المخاطر ، ومن ثَمَّ العجز عن تقدير المآلات والعواقب ، وهذين الأمرين الأخيرين هما السر فيما يُوصف المتطرفون به من شجاعة ، فحقيقة أمرها ليست الشجاعة التي هي الإقدام العاقل المتبصر الذي يوصف به عظماء الفرسان وأذكياء القادة بل هي اندفاع محض ناجم عن عدم تبصر بعواقب الأمور ، وهذا النوع من الإقدام لا يُنْتِج نَصْراً حاسماً ، وإن كان قد يتحقق بسببه نصر مؤقت في معركة أو عدة معارك ، وهذا هو السر في عدم قُدرة المتطرفين طيلة تلك القرون الماضية حتى اليوم تكوين دولة بالمفهوم الكامل لمعنى الدولة ، وذلك لأن إقامة الدولة لا تتناسب مع سفه الأحلام . 

ومن الصفات التي يضمها معنى السفهِ الجهلُ المُرَكب ، أي أن يجهل المرء ويجهل أنه يجهل ، وقد لا يكون الجهل مُطبقاً بمعنى أن يجهل أوليات العلوم ، بل قد يكون لديه من أوليات المعرفة ومبادئ العلوم_ ونعني هنا الشرعية_ وأدواتها ما يجعل جهله يُسَوِّلُ له أنه قد بلغ بها من العلم مبلغاً يؤهله لخوض غمار عويص المسائل وخطيرها.

وهذا السَّفَهُ قد يكون في آلاف بل ملايين من الأمَّة لكن ضرره في غالب الناس قاصر لا متعدي إلا إذا تم استقطابه للتوجه المتطرف ، وهذه النوعية لديهم قابلية للاقتناع بهذا الفكر حينما يتدينون وتوجد المؤثرات الكافية لجذبهم 

وكان أول طور خطير لهؤلاء في عهد عثمان بن عفان وقد كان لهم مؤاخذات عليه رضي الله عنه وقصتهم غاية في الشهرة وليس المقصود سردها ، لكن تقديم ملاحظات عليها كمرحلة من مراحل التطرّف المنسوب للمسلمين . 

فهؤلاء لم يُظهِرُوا مخالفة لما عليه المسلمين في الأحكام كتكفيرٍ لمرتكب الكبيرة أو تحت أي ذريعة من ذرائع التكفير بل كانت غايتهم المعلنة تصحيح مسار قرارات الخليفة وإعادته لما كان عليه الشيخان أبو بكر وعمر ، وبتأمل تلك المطالَب بعد تجريد أحداث تلك الفترة مما تمت زيادته فيما بعد لخطأ في الرواية أو لمآرب مذهبية نُدرِك حجم السَّفه الذي كان يعيشه هؤلاء حيث لم يكونوا يُفَرِّقُون بين الاختلاف في المنهج واختلاف أسلوب الإدارة ، وهو ما يُعرف حديثاً بالاختلاف بين الاستراتيجية والتكتيك ، فنظرتهم القاصرة لم تصل بهم في تلك الفترة إلى تكفير مرتكب الكبيرة ليس لأنهم مختلفون عمَّن جاء بعدهم من ضئضئهم بل لأن المسألة لم تدخل بعد حيِّزَ تفكيرهم ، أما ما دخل حيِّز تفكيرهم وهو المقارنة بين المنهج وأسلوب الإدارة فلم يستطيعوا استيعابه وظنوه أمراً خطيراً ناقضاً للأمانة مُخِلَّاً بالأهلية مُحِلاً لاستباحة مقام الخلافة إلى درجة قتل الخليفة وإن كان صاحب رسول الله وَذَا النورين وثالث العشرة المبشرين بالجنة ، فمن حيث الواقع يختلف هؤلاء المتطرفون عمن جاء بعدهم في مسألة تكفير مرتكب الكبيرة لكنهم لا يختلفون في حقيقة العقلية السفيهة كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم إذ وصلوا بطريقة التفكير الساذجة نفسها إلى استحلال القتل والخروج على سلطان الخلافة والاستخفاف به . 

والجهل المركب الذي تحدثنا عن ظهوره لدى العقلية المتطرفة واضح بجلاء على عقلية الخارجين على عثمان رضي الله عنه ، فقد حدا بهم هذا الجهل إلى تجاوز كل من بين أظهرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانت تمتلئ بهم الأمصار ، فجيوش هؤلاء المتطرفين كانت قادمة من البصرة والكوفة ومصر ، وكل هذه الأقاليم زاخرة بفقهاء الصحابة إلا أنهم لم يرجعوا إلى أحد منهم البتة ، وحين قدموا المدينة وفيها كبار العشرة المبشرين علي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة ونساء النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يستشيروهم ولم يرجعوا إلى رأيهم حين أشاروا عليهم .

وأصحاب هذه العقلية نفسهم تكونت منهم المرحلة الثانية من مراحل الفكر المتطرف في التاريخ الإسلامي وهم الخارجون على علي رضي الله عنه ،  حيث احتوى معسكر علي رضي الله عنه على كثير من هؤلاء وكثير ممن ناصروهم بعواطفهم دون سيوفهم , وقد بدأت فكرة التكفير والقتل من أجل التكفير تنشأ بسرية كبيرة في معسكره رضي الله عنه حتى حان الوقت لإبرازها بعدما يُعرف بالتحكيم ، أما قبل التحكيم فقد كان المُتَطرفون يُعبِّرون عن امتعاضهم بكثرة التمرد والاعتراض على قرارات علي رضي الله عنه . 

وبعد التحكيم برزت مفاهيمهم الخاطئة وبدأوا فعلاً في ممارسة القتل مما اضطر علياً رضي الله عنه إلى إنهاء حركتهم بالمناظرة في بداية الأمر والأقلية التي لم تنجح المناظرة معهم انتهى علي بن أبي طالب إلى إنهاء حركتهم العسكرية بالهزيمة العسكرية . 

ومع ذلك بقيت فكرتهم بالتنامي وقام بعض مهووسيهم باغتياله رضي الله عنه وهو مُتَجِه للصلاة . 

جاءت بعد ذلك مرحلة جديدة لها مبرراتها الفكرية الجديدة وهي مرحلة تشظي المُتطرفين ، وهذا التشظي كان بسبب حِدِّيَة مواقف هؤلاء المُتَطَرِّفِين وضعف مستنداتها الاستدلالية في القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فافترق المتطرفون إلى فرق أكثرُها مُقَاتِلة لكنها كانت ضعيفة وكذلك ما نتج عنها من بطش طيلة سنوات طويلة كان قليلاً بالنسبة للزمن الذي استغرقه قيامها ، وكانت الدولة الأموية قدمت جُهداً كبيراً في قمع حركاتهم وأيضا كان علماء الإسلام مجمعين على رد أقوالهم ، فلم يقف معهم طيلة سنوات وجودهم أي من العلماء السنة. 

وقد ضعفت جذورهم في العصر العباسي في المشرق الإسلامي وكان لهم وجود مستمر في المغرب الإسلامي في ذلك التاريخ ، ومع ذلك فقد كانت نجاحاتُهُم في إحداث الرعب ضعيفة . 

إلا أن العصر العباسي شهد نشوء تطرف من منطلقات مُغايِرة ، وهو ذلك التطرّف الذي نشأ بين المنتسبين للمذهب الشيعي ، ومُشكلة هذا التطرّف أنه أيضا عن طريق تشريع العدوان ، أي نسبة هذا العدوان إلى الدين وتبريره بأدلة دينية ، لكن الجديد هو أنه تطرف تحميه الدول أو تقوده الدول ويتولى التنظير له كبار العلماء وقد ظهر ذلك في الدولة البويهية ، والدولة القرمطية والدولة الصليحية والدولة العُبيدية ، وكان هناك دعم لقتل المخالف من أجل مخالفته وإن كان في داخل في نطاق الإسلام ، لكن الدولة الفاطمية والبويهية بعد أن حققتا استقراراً سياسياً جيداً خففتا كثيراً من دعمهما للتطرف على أساس ديني ، أما الدولتان الصليحية والقرمطية فقد سقطتا وهما لا تزالان تدعمان التطرّف وتمارسانه . 

وفي القرن العاشر الهجري نشأت في شمال إيران الدولة الصفوية وكانت ذرائع نشأتها هي ذرائع دينية من منطلقات لنقُل تدَّعِي الانتصار لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقامت هذه الدولة فعلاً بأصناف بشعة من العدوان على كل المخالفين في المذهب وليس في الدين وقاموا فعلاً باستئصال المخالفين فكرياً عن طريق التهديد باستئصالهم جسدياً . 

ويٰمكِن أن نؤكد أن التطرّف المنسوب اليوم إلى المسلمين يتغذى من مصدّريه اللذين ذكرتُ قبل قليل المصدر المنسوب للسنة والناشئ من عهد الخلفاء الراشدين ،والمصدر المنسوب للشيعة والناشئ من عهد الدول الشيعية على اختلافها . 

وأمهلتها اليوم داعش والقاعدة وما يسمى بحزب الله وعصائب أهل الحق وما يسمونه أنصار الله في اليمن  ومنظمة بدر وجيش القدس وجيش المهدي وغيرها ، وكل هذه المنظمات لا تُخْفِي دعمها من قـبَل إيران ، فما تم تقريره قبل أسطر من كون التطرّف المنسوب للشيعة هو تطرف مستند إلى علماء كبار في المذهب الشيعي ومستند إلى دولِه يمكن اختباره على الواقع اليوم لنجد الأمر كما كان   . 

ونحن نجد المعطيات نفسها التي وجدناها في التاريخ ، فكما أن دول وعلماء السنة لم يقفوا مع التطرّف المنتسب لهم طيلة العصور ، فكذلك دول السنة اليوم وعلماؤها لا أقول لا يدعمون التطرّف بل أقول إن صوتهم هو الأعلى في مكافحة التطرّف ، فلا يوجد دولة إسلامية _حتى التي تنتهج الشكل العلماني في إدارة الدولة_ تدعم التطرّف بل جميعها تُحاربه بشكل ملحوظ ، ولا يوجد عالم من المعروفين بالعلم يقف مع هذا التطرّف .

بينما للأسف نجد  العلماء والدول على الجانب الشيعي تقف في صف تبرير ما يقومون به من تطرف. 

ويمكن أن نقول إن هناك تطرف مصنوع وراءه دول ومخابرات عالمية تحاول الاستفادة من التطرّف لكي تفعل بيد غيرها ما لا تفعله بيدها . 

وهناك تطرف تلقائي يقوم به نوعية من الشباب الذين وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم ،وقد تحدثنا عن وجوده في كل أتباع الديانات وهو يحتاج إلى عوامل تضمن استمراريته وانتشاره وتضمن جاذبيته للأتباع ، وهذه العوامل من الصعب حصرها وقد وُجِد الكثير منها لدى كل أتباع الديانات التي مارس أتباعها الغلو في العنف والدماء في كل العصور ، لكنني هنا سوف أقتصر على التطرف في الدماء المنسوب لفئة من أهل السنة ، وأسرد بعض أسباب البقاء والانتشار المتاحة له هذه السنوات ، فمنها

١- تصور خاطئ عن مفهوم تطبيق الشريعة والسبيل الصحيح لتطبيقها ، بل كي أكون أكثر دقة في توصيف حالهم أقول إنهم لا يملكون تصوراً دقيقا محددا لتطبيق الشريعة ، ولكنهم يؤمنون بخطأ الواقع ، ويريدون تغيير ليس كل مخالفة للشرع في البلاد الإسلامية بل تغيير كل ما يظنون أو يتوهمون أنه مخالفة للشرع ، فهم يضعون أصابعهم على كل الأخطاء وعلى بعض البدائل وليس كلها ، وليس لديهم تصور كلي لكيفية التغيير ، وهذا التصور القاصر أو قل هذا الا تصور هو الذي يوقعهم في كل ما نراه منهم من مجازفات سياسية وعسكرية تعود في النهاية عليهم وعلى الأمة بالوبال  .

٢- غياب مفهوم الموازنة بين المصالح والمفاسد والموازنة بين المفاسد بمعنى تقديم أخف المفسدتين على أعلاهما عند الضرورة ، وهذه الموازنات يَجِب أن نرفع من قيمتها لكن لا على سبيل الإفراط الذي يقوم به البعض من التقديم المطلق للمصالح على النصوص لأن هذا لا يمكن أن يكون مقبولاً في الذهنية المسلمة ، لكن التوسط في وضع المصالح في موضعها الصحيح من النصوص ، ويمكن الاستنارة لذلك بالتطبيقات النبوية ، وتطبيقات الخلفاء الراشدين والصحابة من بعدهم لقضية اعتبار المصالح . 

٣- غياب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الاعتبار بها في خضم ما يستجد من أحداث ، والحقيقة أن من تتبع السيرة النبوية ونظر لأكثر القضايا التي يرفعها منظروا التطرّف يجد أن السيرة لا تخلوا من وقائع مشابهة لما يحدث اليوم ، ولا أعني مشابهة المُطَابقة ، بل مشابهة تصل للحد الذي لا يستطيع الفقيه وحده بل حتى غير الفقيه يستطيع استفادة الإجابة منها عن كثير مما يطرحه منظروا التطرّف.

٤- عزلة هؤلاء الشباب المتطرفين عن أهل العلم ، وقد حدثت هذه العزلة نتيجة سنوات من العمل غير المقصود والعمل المقصود على تشويه صورة العلماء الحكماء في أذهان الشباب ، كما حدثت أيضا نتيجة تخصص كثير من قادة التطرّف في تخصصات غير دينية كالهندسة والطب وللأسف لا يرجعون في تصرفاتهم إلى المتخصصين الشرعيين ، بل يرجعون إلى من يدَّعي المعرفة بالدِّين فقط ولا يقدم سوى التفسيرات التي تدعم التطرّف. 

٥- انتشار مفهوم حزبي خاطئ وهو أن الإصلاح لا يكون إلا عن طريق تغيير الحكام ومناهضتهم الأمر الذي صرف همم كثير من الدعاة عن الدعوة والتربية إلى إيغار الصدور على الحكام واستخدام النصوص الشرعية لإثبات كفرهم ، الأمر الذي ساهم في إحياء ظاهرة التكفير .

٦-ظلم وجور أكثر الحكام المسلمين واستهانتهم بالشريعة جملة وتفصيلاً الأمر الذي جعل لكل الدعوات الثورية والتكفيرية جانب كبير من المصداقية ساهم في تبرير التطرف .

٧- استغلال أجهزة الاستخبارات المختلفة إيرانية وصهيونية وأمريكية وأوربية وروسية لهذا التوجه والعمل على اختراق هذه الجماعات حيناً أو إنشاء جماعات تحت قيادات عميلة لهم ، وذلك بقصد تمرير مشاريعهم بطريقة يطول شرحها ، لكن هذه الأجهزة الاستخباراتية وفرت غطاء إعلامياً وتغاضياً سياسياً وتمكيناً مادياً ، بل وهيأت ظروفاً تجعل دعوات هذه الجماعات أكثر إقناعاً . 

٨- وجود ظلم عالمي واقع على الأمة الإسلامية ابتدأ من احتلال معظم بلاد المسلمين ، واستخدام أبناء المسلمين كجنود في الحربين الكونيتين ، وحين تم إنشاء عصبة الأمم وبعدها هيئة الأمم خرج الغرب عسكريا من البلاد الإسلامية ولكنه ظل حتى اليوم يحاصرها اقتصادياً وسياسياً ، ويقف ضد قضاياها الحقيقية ابتداء من الاعتراف بالكيان الصهيوني ودعمه ضد الشعب الفلسطيني بشكل واضح أنه من الظلم ، والمسلمون يلاحظون أنه أينما وُجِدت قضية المسلمون طرف مظلوم فيها إلا وكان الغرب ضدهم إعلاميا أو عملياً أو هما معاً . 

نعم دول الغرب آوت مآت الآلاف من المضطهدين المسلمين في بلادهم لكن المسلمين ينظرون إلى أن السياسات الغربية كانت سبباً بشكل او بآخر لهذا الاضطهاد في بلادهم . 

والحقيقة أن هذا التبرير للجناح نحو التطرّف اقتنع به عدد لا بأس به من شباب الغرب الذين أسلموا وانخرطوا في التطرّف المنسوب للإسلام فوراً . 

انتقل الآن إلى وسائل التحصين من التطرّف بجميع أشكاله التي تم التطرق لها . 

وأولها : ترسيخ عقيدة التوحيد في النفوس ، فليس هناك فكرة في الوجود يأمن معها القلب والعقل من الانحراف الفكري مثل عقيدة توحيد الله عز وجل ، وأعني بتوحيده عز وجل توحيده في ربوبيته والإقرار بانفراده عز وجل بالخلق والرزق والتدبير في هذا الكون ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار والشمس والقمر والنجوم مسرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) 

وتوحيده في ألوهيته فلا معبود بحق إلا هو ، ولا يُصرف شئٌ من العبادة إلا له سبحانه وتعالى( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بَعضُنَا بعضاً أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ، وهو أكثر عبادة ورد في القرآن الأمر بإفراد الله بها والنهي عن صرفها لغيره ، فلم يرد في القرآن النهي عن الصلاة لغير الله أو الزكاة أو الصوم أو الحج لغيره ، بل ورد ذلك في الدعاء ، واستمع لمثل قوله تعالى 🙁 ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم دَاخِرِين)( فلا تدع مع الله إله آخر فتكون من المعذبين)( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) وأما بقية العبادات فقد جاء النهي عن الإشراك مع الله فيها أحداً على سبيل الإجمال كقوله تعالى(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله )( ألا تعبدوا إلا الله إني لكم منه نذير وبشير)( إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألَّا تعبدوا إلا الله) 

وتخصيص الدعاء بالأمر بإفراد الله به وبالنهي عن الإشراك فيه عائد والله أعلم لثلاثة أمور : 

الأول : أن دعاء من دون الله هو معظم شرك الأمم السالفة وهو غالب على غيرها من العبادات ، بل إن صلاتهم كانت دعاء مجرداً في الغالب. 

الثاني: علم الله سبحانه أن الأمم أول ما تُبتلى بالشرك فإن الدعاء يكون هو المدخل له . 

الثالث : أنه دال على النهي عما فوقه من العبادات لاسيما وآن معظم العبادات يدخل الدعاء فيها إما أصالة كالصلاة حيث إن جميع أركانها لا تخلو منه  ، وإما تبعاً كالصوم والنحر. 

الرابع : فضله على غيره بقوله صلى الله عليه وسلم ( الدعاء مخ العبادة) و( الدعاء هو العبادة) 

ومن توحيده عز وجل :توحيده في أسمائه وصفاته بإثباتهما له كما جاءت في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو فيهما معاً. 

فإن من لم يثبت أسماءه سبحانه أو صفاته أو نفى بعضهن أو فوض فيهن أو في بعضهن لم يستكمل حقيقة توحيد الله في ربوبيته أو ألوهيته ، وسبب ذلك أن من نفى عن الله صفة فقد أثبت له عجزا ومن أثبت العجز لله تعالى في شيء لم يكن مؤمنا حقاً بكمال ألوهيته أو ربوبيته. 

وقد يسأل سائل عن علاقة هذا التوحيد بالحصانة ضد التطرّف والإرهاب ؟ 

والجواب يكمن في قول الله تعالى ( والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) فمن اختل عنده الإيمان بربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته سبحانه فقد لَبَس إيمانه بظلم ، وهو الشرك بالله تعالى أو الانتقاص منه عز وجل . 

وقد وعد الله من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم بالأمن ، وهو لفظ مطلق غير مقتصر الدلالة على أمن الآخرة ، بل وأمن الدنيا أيضا ، يشهد لهذا قوله عز وجل (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقوله ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) فتضمنت الآية حكما قديرا وسُنَّة كونية بالأمن للمجتمع الذي يحقق التوحيد ويتخلص من الشرك ويتصف بالإيمان والعمل . 

ثاني وسائل التحصين : إشاعة منهج الاستدلال الصحيح على مسائل العقيدة. 

وذلك أن الاستدلال الصحيح على مسائل العقيدة يمكن تلخيصه في نقاط ، وحين نسبر الانحراف عن العقيدة نجد أنه لم يحصل إلا جراء ترك هذا المنهج ، وغني عن التذكير أن أي انحراف أدى إلى التطرّف والإرهاب إنما هو نتاج الانحراف عن منهج الاستدلال هذا . 

١- الرد إلى الله والرسول وذلك اتباعاً لقوله تعالى:( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كُنتُم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم )( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون)

بمعتقد ابن آدم هو أصل دينه  وليس لها مأخذ غير هذين المصدرين ، فكل ما يتعلق بتوحيد الله تعالى وأركان الإيمان الست التي ورد أربع منها في قوله تعالى( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين آحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ووردت كلها في حديث جِبْرِيل 🙁 قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) لا يجوز أخذه من غير هذين المصدرين .

٢- رد المتشابه إلى المحكم فقد جلَّى الله سبحانه وتعالى انقسام القرآن الكريم إلى محكم ومتشابه وبين عز وجل أن منهج أهل الباطل هو اتباع المتشابهات أما أهل العلم فيردون المتشابه إلى المحكم (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكر إلا أولوا الألباب) 

٣- ولا بد أن يكون الرد وفق لغة العرب التي نزل بها القرآن ، ولغة العرب كأي لغة من لغات العالم لها جانب خاص بمعاني الألفاظ  وجانب يختص بمعاني الجمل، فأما جانب معاني الألفاظ فقد عُني بها علماء اللغة الذين اعتنوا بجمع كلمات اللغة والبحث في معانيها واشتقاقات تلك المعاني ومرادفاتها ، وأما جانب معاني الجمل فقد اعتنت به طائفتان الأولى علماء النحو الذين اهتموا بإعراب الألفاظ في سياق الجملة ، والطائفة الأخرى علماء أصول الفقه الذين اعتنوا بتنزيل دلالات الألفاظ اللغوية في سياقها الجملي ، ولذلك اعتنوا بتقسيم الألفاظ إلى عام وخاص وحقيقة وجاز ومجمل ومبين ومطلق ومقيد إلى آخر ما صنعوا . 

فالرد لا يكون إلا وفق القواعد التي تمليها تلك العلوم المتقدمة ، وأي فهم لا يكون وفق تلك العلوم  فهو فهم منحرف سواء أدى إلى استنباط أحكام فقهية أم عقدية أم أخلاقية ، وكذلك رد المتشابهات إلى المحكمات حين يكون على غير وفق تلك العلوم فإنه يكون فهمًا منحرفاً. 

ومن تتبع تاريخي وواقعي لكل الانحرافات المتطرفة نجد أنه ناشئ عن انحراف في الفهم وانحراف في الرد . 

ثالث وسائل التحصين : نشر السيرة النبوية الصحيحة ودراسة فقهها استقلالاً عن دراسة الفقه العام  ، فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي نموذج الاستقامة الأعظم في الدنيا كلها ، ومن خصائصها أنها تضمنت جواباً عن كثير من شبهات المنحرفين ، فعلاقة النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة الكرام وزوجاته الطاهرات ، ترد على الانحراف الكبير الذي يتم نشره اليوم حول مصادر التلقي التي يعد الصحابة الكرام هم طريقها الأول حين نريد توازنا فكريا . 

كما يجيب تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحداث على معيارالحكمة الصحيح في التعامل معها . 

الرابع من وسائل التحصين : نشر تاريخ الصحابة الكرام والسلف الصالح من القرون الثلاثة بعد دراسته وتمحيصه ونقد مصادره نقداً علمياً ، فلا ريب إن كثيراً من الانحرافات المتطرفة جاءت نتيجة قراءة لتاريخ مكذوب على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم  . 

الخامس : وهو أول الوسائل العملية ، تقريب الشباب من العلماء ، وحث وسائل الإعلام على حفظ مقام العلماء وجنابهم ، وذلك أن التطرّف لا يمكن أن يكون مغرياً للشباب إلا حينما يفتقرون إلى القدوة الصالحة وبذلك نجد أن إسقاط القدوة الصالحة يعد من أول ما يتذرع به الدعاة إلى التطرّف . 

قد يلحظ القارئ الكريم أنني لم أتعرض للوسائل التقنية والإجرائية وإنما تعرضت للأسس التي تقوم عليها المواد التي تنشرها تلك الوسائل ، والسبب في ذلك أن هذه الوسائل متنوعة ومشاهدة من إعلام حديث وقديم ومحاضرات وندوات ومشاركات في وسائل التواصل الاجتماعي ومراكز أبحاث ، كل هذه معلومة ومطلوبة ، لكن السؤال هو ما هي الأسس التي تبنى عليها مواد تلك البرامج ، ولذلك آثرت الحديث عن تلك الركائز والله الموفق.

د محمد بن إبراهيم السعيدي 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.